مسلسل قيامة أرطغرل

مسلسل قيامة أرطغرل
علي العمري
علي العمري
شعب أونلاين |كتابات |

بقلم – دكتور علي العمري
أقول جادًَّا لا مازحًا: إن مسلسل (قيامة أرطغرل) هو أول مسلسل أراه في حياتي -أي بعد الأربعين عامًا- !

نعم، سبق وأن شاهدت “أفلامًا” عدة، لكنني لم أر طيلة عمري أيَّ مسلسل، رغم حسباني في صفوف الإعلاميين، وخبراء الإنتاج، ومشاهدتي لتفاصيل وكواليس عدد من المشاهد التمثيلية والدرامية، والأسباب لذلك متعددة، منها أولويات اهتماماتي، ومنها طبيعة انفعالاتي وتفاعلاتي التي لا تميل إلى الدراما التمثيلية بهذا الحجم؛ فضلًا عن بعض المناظر الخادشة لجوهر القلب.

لا أشكك ابتداء بأن عددًا مُهمًا من المسلسلات والأفلام أدت -ولا تزال- دورًا في وجدان الشعوب وحركتها وبرمجتها، وأنا منهم، لكن هذا التأثير لا يتفاعل إلا مع أرضيتي الفكرية، التي تبحث عما يغذي العقل والروح، ويرفع من الوعي، ويحفز المكارم، ويستدر أجمل العواطف.

المهم، لا أود إشغالكم بما رأيت وما لم أر سابقًا، ودعوني فيما شاهدته لاحقًا، وما الذي كسر هذه القاعدة مؤخرًا!

السر هو محاولة الانقلاب الآثم في تركيا بتاريخ 15/ 7/ 2016 م.

إنه الحافز الأهم لكسر تابوت الامتناع عن المسلسلات؛ فما سر هذا الحافز؟!

في ليلة الانقلاب المشؤوم عجبت من ارتفاع نغمة صوتية، كانت كأنها ملحمة متشابكة الأحداث والأصوات، على وقع أقدام زمان استدار لتوه مهرولًا كأن يوم الفصل قد حان. خرجت تلك النغمات كالمدمع من سيارات الناس، وكزخات المطر على أرصفة الشوارع، ومداخل المواصلات، وبوابة المطار!

عرفت بعدئذٍ أنها مقدمة أو “تتر” مسلسل (قيامة أرطغرل).

كما عرفت حينها أن هذا المسلسل بجزئيه اعتُبر أحد العوامل الأساسية في يقظة الشعب التركي ومواجهة الوحدات الخائنة من العسكر بكل مجنزراتها، وآلياتها، ورصاصاتها الحية، في ليلة الانقلاب البئيس.

وكان صدى المسلسل حاضرًًا في أذهان وأرواح الشعب؛ وكأنهم أبطاله!

أيُعقلُ أن يكون هذا حقيقة؟

افترضتُ هذا الجواب الذي يؤكد الشعب التركي عليه، وأنه تفوق على أي مسلسل في تاريخ تركيا كلها؛ حيث تؤكد الإحصاءات أن نسبة المشاهدة بلغت قرابة ٤٠ مليونًا.

المسلسل من الناحية الفنية السينمائية يعتبر أجود وأقوى مسلسل تاريخي عربي مسلم على الإطلاق، وهو يعتمد على (الخيال السينمائي) في توظيف أحداثه التاريخية القليلة عن شخصية (أرطغرل) والد مؤسس الدولة العثمانية (عثمان) والذي به سميت الدولة العثمانية.

لقد برع فريق الإنتاج في تفعيل كبرى اليقينيات الإسلامية، وزرع القيم العليا، وبلورة منهجية الإسلام في فتوحاته.

المشاهد للمسلسل عرف الدولة العثمانية والسلجوقية، وعلاقتهما بالشام، وفي المقابل عرف الدولة البيزنطية، والحملات الصليبية، ثم أدرك بوعيه الباطن والحاضر معنى الصراع والتآمر والتفكك والاستبداد.

كثير من عناوين التاريخ وطبيعة حركته كانت ثمرة أجواء المسلسل.

هنا لن أدخل في تقويم السيناريو وما يصح منه وما لا يصح، وما نسبة صحة القصص، وبعض الملاحظات والمحظورات الشرعية؛ فهي من طرف واضحة عند عدد من المثقفين، ومن طرف تعتبر موضع تجاذب وجهات نظر، وهي كذلك.

لكن ما يعنيني هنا هو نجاح المسلسل وأهمية استثماره في إنشاء مشروع تعليمي درامي تاريخي يُقرَّرُ في المدارس والجامعات.

لقد قدم المسلسل نموذجًا لنجاح العمل القيمي ومتابعته من كل أطياف المجتمع، ولو سلم من بعض المآخذ لأكد الفقهاء والخطباء والمؤرخون والمربون أن مثل هذه المسلسلات هي الفتح الإسلامي الجديد!!، الذي يحمل في رسالته الدعوة للتوحيد، وعظمة الأخلاق، وتنمية المجتمعات ونهضتها.

ولعل حضور رجل المرحلة (أردوغان) وزوجته لمشاهد المسلسل وقت إنتاجه يوصل رسالة عن دور الجهات العليا في دعم مثل هذه الأعمال، إذا أرادت أن تقدم لأنفسها ووطنها عوامل تساهم في البقاء والوحدة والمنعَة والصلاح ومواجهة قوى الشر!

فالدراما المبدعة المتميزة الهادفة تفعل في الأمم المعاصرة ما تفعله آلاف الخطب والمناظرات والمحاضرات، حيث تتسلل الأفكار والقيم إلى المشاهد من خلال المتعة والتسلية، ومن ثم تُبنى القناعات، وتزدهر الثقافات.