
وجه في الظل وزمن بين جيلين
في حضرة روح اغنية “ضاعت الايام ” أخر عنقود الشعراء الغناء الستيني اليمني الشاعر الكبير احمد الجابري
كنا أول الصحفيين والشعراء الذين دلفوا صومعة آخر عنقود الشعر الغنائي اليمني الستيني ونالوا من التقدير والحب ما نالوه من إنسان رائع ومبدع استثنائي.. فلم يفتح بابه بهذه الروح وبهذا الاحتفال، لا أحد فهو يفضل أن يلازم صمته ولايريد من يكسر عليه هذا الصمت السؤالي و.. لكن كما قال «هذه الوجوه لمست فيها الحب والطيبة».

منذ أكثر من شهرين وفكرة زيارة الأستاذ الشاعر أحمد الجابري واجراء لقاء صحفي معه لا تبارح تفكيري وإن قادني أي ارتباط عمل أن أنسى متطلبات نفسي أحياناً ..ويقظة هذه الفكرة في رأسى طوال هذه الأيام وبقاؤها رغم الكثير من التسويف والمحاولات الفاشلة قائمة لم تذبل.. هل إرادة من الله أن أكون ومن رافقني من الزملاء الذين كان إصراري لديهم ربما غير مرغوب في اللحظات الأخيرة المرتبكة والخائفة؟ كنا أول الصحفيين والشعراء الذين دلفوا صومعة آخر عنقود الشعر الغنائي اليمني الستيني ونالوا من التقدير والحب ما نالوه من إنسان رائع ومبدع استثنائي.. فلم يفتح بابه بهذه الروح وبهذا الاحتفال، لا أحد فهو يفضل أن يلازم صمته ولايريد من يكسر عليه هذا الصمت السؤالي و.. لكن كما قال «هذه الوجوه لمست فيها الحب والطيبة».
فلم أصدق أبداً أني وبقية الزملاء استطعنا أن نكون الآن في حضرة روح قصيدة «ضاعت الأيام» لذلك علق على كلامي الشاعر نجيب القرن معك الباهوت ..لم يكن كلام الرجل عندما قال: لمس فينا الحب والطيبة.. من باب عبارات ترحيبية عادية فيها مجاملة من ضيف لضيوفه، والدليل أني وجدت الأستاذ الشاعر أحمد الجابري يفتح لنا قلبه بكل أريحية وبدون تحفظ أو دبلوماسية في الإجابات فقد تكلم معنا في كل شيء نسأله عنه.. وقد دار اللقاء أكثر من ساعتين ونصف حتى إني أشفقت عليه وهو منذ بداية حديثه معنا لم يلمس أوراق قاته.. وتأسفنا كثيراً على أننا أتعبناه بسبب فضولنا.. فواحد وسبعون عاماً لاتلخص أبداً في ساعات ولاحتى في أيام لكني استأثرت معه بالحديث عن مشواره الفني مع أيوب وأحمد قاسم والمرشدي وعلاقته بالفضول وأمور أخرى.
كنت أتابع «الفضول»
تحول الفضول الغنائي كان بسبب عمه الشيخ أحمد محمد نعمان الذي كان يسنده ولولاه لكان الفضول انتهى مشواره بانتهاء جريدة الفضول في عدن
يقول الأستاذ أحمد الجابري في إجابته عن سؤالي له هل التقى الفضول حينما كان الفضول متواجداً هناك يقود مسيرة النضال ضد الإمامة من خلال صحيفته «الفضول»:لم التق الفضول في عدن لكني كنت أتابع صحيفته«الفضول» مثل الآخرين وقد كانت مسيرة الفضول في عدن سياسية وكانت صحيفة الفضول باللهجة التعزية.
لولا الحب لما كان عبدالله عبدالوهاب نعمان شاعراً غنائياً
ويضيف الجابري: إن تحول الفضول الغنائي كان بسبب عمه الشيخ أحمد محمد نعمان الذي كان يسنده ولولاه لكان الفضول انتهى مشواره بانتهاء جريدة الفضول في عدن التي بدأت قبل الثورة وهيأت لثورة 26سبتمبر ولولا عمه الشيخ أحمد محمد نعمان لكان انتهى دوره هناك عند هذه المرحلة مثلما انتهى دور كثير من ثوار أحرار ثورة 48م لكنه استمر لوجود عمه النعمان والزبيري فالفضول كان من تلامذتهم.
فشل في السياسة.. نجاح في الحب 
ويقول الأستاذ أحمد الجابري في إطار حديثنا عن الفضول :إن الفضول فشل في السياسة ونجح في الحب ولهذا انتقل إلى الشعر الغنائي باللهجة التعزية ولهذا يعتبر الفضول رائداً
الفضول رائداً للأغنية التعزية، فاللهجة حق«جماعة ذبحان» مسكونة داخله ولكنه طور هذه اللهجة مخلاهاش محلية 100% فكان يلتقط الكلمة التي هي أقرب إلى اللغة العربية الفصحى.
للأغنية التعزية ولولا الحب لما كان عبدالله عبدالوهاب نعمان شاعراً غنائياً فجر فيه كل ذلك الابداع ولأنه يمتلك الأدوات واللهجة فقد استطاع أن يكون رائداً للأغنية التعزية، فاللهجة حق«جماعة ذبحان» مسكونة داخله ولكنه طور هذه اللهجة مخلاهاش محلية 100% فكان يلتقط الكلمة التي هي أقرب إلى اللغة العربية الفصحى.
وجهان لظمأ واحد
عبدالباسط غنى للفضول «طعمه قبل» لكن لم يكن هناك من يشبع رغبة الفضول غير أيوب.. الفضول وجد في أيوب الشخص الذي يكتمل معه من حيث الحنجرة وصفاء الصوت.
< هل هذا يفسر أن اللهجة التعزية التي كانت مسكونة داخله وكتب بها أغانيه من أن الفضول كان كل تعاونه الفني مع أيوب الذي هو من ذبحان ولم يتعامل مع الآخرين إلانادراً؟
لا.. هذه صدفة، لكن فيما بعد أصبحا ثنائيين.. ولا أحد يستطيع أن يغني كلمات الفضول إلا الفنان أيوب طارش فعبدالباسط غنى للفضول «طعمه قبل» لكن لم يكن هناك من يشبع رغبة الفضول غير أيوب.. الفضول وجد في أيوب الشخص الذي يكتمل معه من حيث الحنجرة وصفاء الصوت.
كان مشغولاً بالسياسة
< وماالسبب في أنك لم تلتق الفضول في عدن في تلك الفترة؟
لم أجلس في عدن أثناء تواجد الفضول، فقد سافرت في تلك الفترة إلى الدراسة في الخارج وحتى أثناء تواجدي في عدن لم أجده لأن الفضول كان مشغولاً بالسياسة وكانت حياته كلها سياسة.
لم يكن مقتنعاً
أول أغنية أعطيتها لأحمد قاسم وغناها «الميه والرملة»
< يعني الفضول أثناء ما كان يدير صحيفة الفضول في عدن طوال تلك الفترة لم تعرف أنه كانت له تجارب في الشعر وخاصة الشعر الغنائي؟
لا ..لم التقه في عدن لأني كنت في القاهرة فقد سافرت عام 1952م ورجعت 1962م.
وفي هذه الفترة تعاملت مع أحمد قاسم بأغنية «أخضر جهيش» لكن كانت أول أغنية أعطيتها لأحمد قاسم «الميه والرملة» هذه أغنية عدنية خفيفة واللحن كان رائعاً جداً وهذا الذي خلانا استمر في كتابة الشعر الغنائي هذا كان في عام 57م، في القاهرة كان أحمد قاسم يدرس في المعهد العالي للموسيقى وأنا كنت أدرس في الجامعة عرفته في ذلك الوقت وقال لي: لازم تكتب أغنية ياأخي أنا مااكتبش باللهجة العدنية أنا أكتب شعراً فصيحاً وتفعيلة هذيك الأيام فكتبت له«الميه والرملة» و«يامركب البندر».
«أشكي لمن» أول تعاون مع أيوب
< متى التقيت أيوب وماأول تعاون فني بينكما؟
أنا جئت تعز عام 72م وكان صديقي الشيخ محمد علي عثمان وأعرفه ، فاتصل بي ولم يكن لي على مجيئ تعز سوى أسبوع واحد فقال لي: في واحد اسمه أيوب طارش يشتي منك أغنية وأنت معروف أنك تكتب الأغنية من 57م وأيوب يتمنى أن تكتب له لأن عنده ظرفاً معيناً ولأن
الشيخ محمد علي عثمان هو من طلب مني أن اكتب اغنية للفنان ايوب طارش فكتب له “اشكي لمن ” فكانت أول اغنية يغنيها لي الفنان أيوب طارش
الفضول سحب منه أغنية«وافي العهود» ويشتي على نفس الأغنية وعلى نفس القافية وعلى نفس الوزن أغنية ثانية بدل «وافي العهود» في ألبومه وكنت أنا في ذلك الوقت قادماً من عدن إلى تعز فكتبت له «أشكي لمن» بنفس الوزن والقافية.. والحمد لله نجحت وقد كتبتها بنفس اليوم الذي طلبها الشيخ.
لم يكن له أي رد
كتبت للفنان ايوب طارش «ياصبايا فوق بير الماء والدنيا غبش» و«عاشق الليل» و«ضاعت الأيام» والأغاني التي غناها أيوب أنا أعتبرها أحسن أغان كتبتها.
< ماذا كان رد الفضول حول ما تم من إحلال «أشكي لمن» حقك محل أغنيته«وافي العهود»؟
لم يكن له أي رد.
كيف استمر هذا التعاون مع أيوب؟
كتبت له «ياصبايا فوق بير الماء والدنيا غبش» و«عاشق الليل» و«ضاعت الأيام» والأغاني التي غناها أيوب أنا أعتبرها أحسن أغان كتبتها.. وأداء عاشق الليل كان جميلاً.
هذا لون وذاك لون
< هذا يقودني إلى سؤالي وهو أن صوت أيوب الوحيد الذي كان قريباً من قلبك أحسن من أحمد قاسم؟!
لا ..هذا لون وذاك لون ،كل واحد له سماته المعنية أنا عندما كنت أكتب أعطي كل فنان اللون الذي يناسبه يعني مقدرش أنا أعطي أحمد قاسم مثلاً«أشكي لمن» لازم أعطيه اللون الذي يتناسب معه.
أيوب نقلني نقلة نوعية
< لكن أيوب غنى لك أكثر من أحمد قاسم وأكثر من أي فنان آخر؟
صحيح.. أيوب نقلني نقلة نوعية من أغانٍ كنت أكتبها بالعدنية وللهجات مختلفة إلى الكتابة باللهجة التعزية.
كتبت الشعر الغنائي قبل عبدالله عبدالوهاب نعمان في 57م وكانت أول أغنية هي «أخضر جهيش».
< طيب هل كتبت باللهجة التهامية؟
لا .. بالتهامية لم أكتب!!
كتبت الشعر الغنائي قبل عبدالله عبدالوهاب نعمان في 57م وكانت أول أغنية هي «أخضر جهيش».
< يعني «الميه والرملة» ليست أول أغنية؟
لا هذه بالنسبة لأحمد قاسم كانت كتجربة وكان أحمد قاسم عنده لحن جميل جميل جداً.
.ظروف سياسية
< ألاحظ أن أكثر الأغاني غناها لك أيوب هي من بعد 72م لماذا لم تتعاون مع المرشدي وأحمد قاسم بعد قدومك إلى تعز؟
ظروف سياسية في ذلك الوقت حالت دون التواصل مع الآخرين كانت هناك حكومة وهنا حكومة فكان هناك وضع وهنا وضع والالتقاء كان صعباً يعني بعد كذه لم أعط أية كلمات غنائية لاللمرشدي ولاأحمد قاسم ولا أي أحد في اليمن استأثر بي مثل أيوب، في الأخير جاء لي عبدالرب ادريس أعطيت له مجموعة من الأغاني غنى لي أغنيتين كانت واحدة باللون الشبواني.. والثانية ظبي رامه.
<.. أستاذ قلت لم تلتق الفضول في عدن فمتى التقيته في تعز؟
علاقتي بالفضول كانت جيدة وجلست معه في أيامي الأخيرة في بيت دكتور من جماعتهم من ذبحان وأبديت اعجابي جداً بأغنية «مكانني ظمآن»
جئت تعز واشتغلت مع بيت هائل مديراً مالياً يمكن 5سنوات في أول مصنع الذي هو الآن مصنع البسكويت وأصلاً أنا خريج تجارة.. المهم كان يجيء إلي الفضول إلى المصنع وأجلس معه فقد كان هو يسمع بي لكن أنا ماجلست معه من قبل.
<.. علاقتك بالفضول كيف كانت بعدين؟
كانت جيدة وجلست معه في أيامي الأخيرة في بيت دكتور من جماعتهم من ذبحان وأبديت اعجابي جداً بأغنية «مكانني ظمآن» لكن لم تكن علاقتي بالفضول مثلما أيوب ،فالفضول كان يجلس مع أيوب ساعات أما أنا فأوصي لأيوب بالأغنية أو يجيئ إلى عندي وأعطي له الأغنية.
ومرة جاء إلى عندي كان با يروح الجزائر قال لي أشتي أغنية منك تعبر عن واحد مغترب قلت له متى رايح أنت قال: بعد يومين.. وأنا مانش متعود أي حد يجيئ يقول لي اكتب اكتب، لكن أيوب وأحمد قاسم إذا جاءا إلى عندي وقالا لي اكتب يحصل عندي انفعال واليوم الثاني تكون الأغنية قد كتبت.
<.. كنت أعتقد من قبل أنك من مواليد تعز؟
يقاطعني :أنا أقول لك بكل فخر أنا وحدوي
أنا عشت في عدن وعشت مع الحضارم وعشت مع أصحاب يافع وعشت مع أصحاب الراهدة وعشت مع أصحاب تعز وفي الحديدة وفي صنعاء وكله هذا موجود في كتابي القادم ماتقدرش تقول عني هذا عدني وهذا صنعاني تقول الأستاذ أحمد تجسدت فيه الوحدة.
اثنان ..هما من حددا لي المسار في الشعر عبدالله فاضل فارع وهذا رجل متقن للغة العربية بشكل غير عادي ومثقف وكان يدرس في الجامعة الأمريكية، ولطفي جعفر أمان كان يدرسنا الأدب الانجليزي

<..هل لديك أغاني موشحات ؟
لا ..معي أغنية وحيدة أعطيتها لأيوب عن رمضان قبل فترة ونسيتها.. وسمعتها الآن ولم أصدق أن أيوب غناها الآن.
وأيوب بعد عبدالله عبدالوهاب وبعد «لمن كل هذه القناديل» ماسواش حاجة.
<.. من أبرز من صاغ لك مسارك الشعري؟
اثنان ..هما من حددا لي المسار في الشعر عبدالله فاضل فارع وهذا رجل متقن للغة العربية بشكل غير عادي ومثقف وكان يدرس في الجامعة الأمريكية، ولطفي جعفر أمان كان يدرسنا الأدب الانجليزي وهذا شاعر رقيق ومثقف وعنده الجانب الموسيقي في شعره أهم مايميزه، وعنده الثقافة العربية مع الثقافة الانجليزية.. وأحمد قاسم هو من أثارني في كتابة الشعر الغنائي وقد غادرت عدن وظلت في ذاكرتي لسنوات وطبعاً أنا من أبناء التواهي، والتواهي هذي عبارة عن ميناء وكتبت أثناء الغربة في القاهرة«مركب البندر» كما اشتغلت في السعودية عشر سنوات في شركات تعمل في مراجعة حسابات.
<.. هل كان لإنتاجك الأدبي أي عائد مادي عليك؟
أنا أكتب الأغنية مش من أجل فلوس وعمري ماأخذت من حد فلوساً على الأغاني..
أنا أكتب لنفسي أولاً ثم الآخرين.
<.. هل تجد الآن صوتاً غنائياً يمكن أن يغني كلماتك؟
لا لا.. أنا ماوجدت صوتاً غير أيوب .
<.. هناك تلهف كبير من الناس للتعرف على أخبارك وجديدك لماذا لاتريد الظهور للناس من خلال الإعلام؟
أنا من زمان أشعر لايوجد التقدير الحقيقي للفن..من بعد السبعينيات أصبحت الأمور تجارة ..لهذا أنا لا أقابل لاصحافة ولاإعلام ولاتلفزيون ولاحاجة ولاأريد ذلك.

