تبدو سيناريوهات المستقبل السياسي لليمن بعد صعود الحركة الحوثية في مشهد الهيمنة على المجال السياسي وتداعياته علي مجمل المجال اليمني العام مفتوحة في ظل حالة التطورات السريعة في المشهد ذاته، لكن وفقا لما جرى عرضه من مواقع وتداعيات، فإن هناك عدة سيناريوهات يمكن تصورها على النحو التالي:
السيناريو الأول: البحث عن اختراق في ضوء المشهد السياسي الراهن
يبدو أن معظم القوى السياسية وصلت إلى مداها من حيث قوتها ومقدراتها، بحيث تساوت غالبية المكونات السياسية لكنها في لحظة جمود أمام حالة الذهول في مقابل الصعود الحوثي الذي لم يكن مرتقبا، في الوقت الذي تواصل فيه الحركة نهمها في حصد مزيد من التمدد على الخريطة السياسية لما بعد العاصمة ومنطقة الشمال وشمال الشمال، إذ إنها بدأت في عملية الاحتكاك الفعلي مع مناطق ما بعد “القبلية” حيث المدن الحضارية أو شبه الحضارية، كما هي الحال في “تعز” وهناك بدأت في عملية تغير شكلاني، حيث عملت على تشكيل مجلس إدارة عسكري في المحافظة، وهو ما لقي ردود أفعال واسعة تنتقد هذا الحضور، وعلى مستوى آخر في نفس المناطق جنوبي العاصمة بدأت نقاط التماس مع “القاعدة” في “مآرب” وأبين “في الجنوب” وأيضا مع الإصلاح، في ظل فشل التسوية السياسية، فرغم أن الإصلاح توجه إلى المعقل الديني للحركة في ديسمبر 2014 في محاولة للتوصل إلي تسوية سياسية وطي صفحة الماضي، لكن لم يقابل هذا الأمر برد فعل مواز، وتوضح المعارك في مناطق محيط العاصمة وجنوبها هذا الأمر، لكن القوى المقابلة للحركة الحوثية لا تزال تشكك في قوة الحركة الحوثية ووزنها الجماهيري، ومن ثم تبحث عن الوصول إلى مشهد يمكن أن تتضح فيه الأوزان السياسية لتلك القوى، وهي محطة الاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية. ووفقا لهذا السيناريو فإن حالة الجمود السياسي التي تعاني منها القوى السياسية باستثناء الحركة الحوثية ستبقى على حالها في مقابل التمدد الحوثي لحين حدوث اختراق سياسي يرتب الأوضاع السياسية في ظل استمرار المعارك الحربية في نقاط التماس.
السيناريو الثاني: إعادة تريب الأوزان السياسية
خروج الرئيس عبد ربه منصور هادي من المشهد السياسي ، واللجوء لطرح شخصية رئاسية توافقية يمكن الاحتكام إليها، ومن ثم إعادة ترتيب المشهد في ضوء تقاسم نفوذ السلطة بين القوى السياسية الرئيسية وهي الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام والحوثيين، وذلك في ضوء رغبة الرئيس في عملية التمديد وفشل الحكومة في ممارسة وظائفها وبسط سلطتها، وفي ظل تدهور المنظومة الأمنية، بالإضافة إلى رد الفعل من القوي المناوئة التي تستهدف العناصر الحوثية من خلال مسلسل التفجيرات في العاصمة ومحيطها الجغرافي.
السيناريو الثالث: الحرب الأهلية والوصاية الدولية
لا يمكن استبعاد فرص الوصاية الدولية على اليمن
من المتصور أيضا في ظل التمدد الحوثي وبسط هيمنة الحركة علي الشمال أن تقع حرب مع الجنوب لدى محاولة الحركة بسط نفوذها عليه، فالحركة وإن كانت تعترف بأن الجنوب لديه مظلمة تاريخية على طول سنوات الوحدة التي لم تتحقق إلا أنها ليست راغبة في الانفصال، ولا توجد تسوية سياسية مع قوى الحراك الجنوبي الذي يطالب في معظم مكوناته بالاستقلال عن الشمال أو تحت مظلة كونفدرالية مؤقتة لمدة خمس سنوات لحسم هذا الأمر، لكن الاتجاه السياسي الراهن يقرر أن إيران راغبة في وصول الحركة الحوثية إلى بحر العرب والسيطرة على منفذ باب المندب، ورغم أن الحركة الحوثية تنفي مطامعها في هذا القطاع لكنها لا تنفي في المقابل أنها تحتك ببعض قطاعات قوى الحراك، نظرا لظهور بعض عناصرها في الجنوب، لكن عودة ظهور حزب اليمن العربي في مقابل قوى الحراك التقليدية، وهو قطاع مدعوم من السعودية يري في إمكانية استقلال الجنوب على أرضية مملكة أو إمارة عربية مناظرة لإمارات الخليج، وأن العودة إلى الجمهورية اليمنية الاشتراكية كما كانت عليه الأمور قبل الوحدة عام 1990، هي فكرة لم تعد لها وجاهة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، هو أمر يقول بأن هناك معركة مؤجلة بين الشمال والجنوب تستعر تحت جبل الجليد الطافي على المحيط السياسي اليمني، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل قوة المتقاعدين العسكريين والذين يبلغ عددهم بنحو 80 ألفا (16). وفي ضوء هذا السيناريو يتوقع أن يكون هناك تدخل دولي في نطاق الفصل السابع الذي أصبح له منفذا في الشأن اليمني بعد فرض عقوبات على الرئيس السابق علي عبد اللـه صالح، فلا يمكن استبعاد فرص الوصاية الدولية على اليمن.
السيناريو الرابع: العودة إلى الثورة
يمكن أيضا في ضوء التطورات المتلاحقة والقفزات السريعة في المشهد السياسي اليمني بين الشمال والجنوب توقع موجة ثورية جديدة تعيد ترتيب المشهد السياسي بين الشمال والجنوب، فلا يمكن تجاهل وجود قوى تمرد متناثرة في المجال السياسي اليمني موزعة بين العديد من القوى غير راغبة في مآلات الوضع الراهن، وترى أن الصراع بين الدولة والقبلية لم يحسم بقدر ما تحول إلى الصراع بين الدولة والمليشيا، فهناك الحراك الطلابي في جامعة صنعاء، وحراك قوى الشباب “مد” في تعز، وغيرها من كل تلك القوى الشبابية التي تري أن هناك مؤامرة جرت على ثورة فبراير، وأن الثورة لم تفرز ما كانت ترغب فيه وعجزت عن رسم خريطة طريق ثورية، ولكن هذه القوى بعضها يبحث عن مؤسسات معنية حاضنة له كما هي الحال في ثورة 30 يونيو في مصر وخاصة المؤسسة العسكرية، ومن ثم برز اسم وزير الدفاع محمود الصبيحي كشخصية لقيادة المشهد، لكن هناك حالة من الإحباط تعم هذه القوى، بالنظر إلى تركيبة المؤسسة العسكرية التي يجب إعادة النظر في تركيبتها التي تغوّلت عليها القبيلية والمليشيا.

