عَلَّمَني غِنَاءُ العَصَافِيرِ أَنْ أَتَحَرَّرَ
وَأَنْ لَا أَنْتَسِبَ إِلَىٰ صَيَّادي الْبَلابِلِ
وَلأَنِّي غَيْرَ طَرِيقِ الْحُرِّيَةِ لَمْ أَتَّخِذْ طَرِيقاً
تُطَارِدُنِي خَفَافِيشُ الشَّيْطَانِ الْلامَرْئِيّةِ
وَالْضَّوْءُ الأَزْرَقُ حَوْلي يُلَمْلمُ بَلّورَاتِ الْحُزْنِ
أما بعد:
مَنْ يتَّهم الإِسْلاَمَ بِالإِرْهَابِ فَعَلَيْهِ قِرَاءة تَارِيخ دِيانَته أَولاً.فالإرْهَابِيُّون الْمُسْلِمُون حُمْلانٌ مُقَارَنَة بالْإِرْهَابِيين مِن الأَدْيان الأُخْرَى . فوَالِدَةُ الإِرْهَابِ جَزْءٌ مِنْ لُعَبةٍ سِياسِيّةٍ تُدارُ مِن قَبْل قُوى تُسَيْطِرُ عَلَى الشُّئون الدِّينِيَّةِ وَالاقْتِصادِيّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، وَتغَذِّيهَا بِالجَهْلِ الْمُرَكَّبِ.
الإِرْهَابُ هو كلّ فعل ينتهك حقوق الإنسان وكرامته، يهدد حياة الأبرياء ويعرض أمنهم واِستِقرارهم للخطر، ويهدف إلى إيذاء الآخرين البدنية أو النفسية وإلى تخريب ممتلكاتهم.
من هذا التعريف لمعنى الإرهاب ، نستطيع القول، بكلّ شفافية وبعيداً عن عقيدة الْإِرْهَابِيين وعن ازدواجية المعايير، إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من اضطهاد واعتداءات مستمرة وأوضاع مأساوية وحرمان من حقوقهم الشرعية من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلية هو ارهاب، ما يتعرض له مسلمو بورما من مجازر وعمليات قتل واغتصاب وحرق وتهجير هو ارهاب، ما تتعرض له الشعوب العربية ،من المحيط إلى الخليج، من قبل السلطات الحاكمة وأجهزتها الأمنية هو ارهاب، ما تتعرض له شعوب دول واقعة تحت الحصار وتحت ما يسمى “العقوبات الاقتِصادِيّة ” هو ارهاب.فالإرهاب مهما تعددت أساليبه ومظاهره وأشكاله فهو إرهاب ولا يوجد إرهاب حرام وإرهاب حلال الّا في عقيدة الْإِرْهَابِيين.
يستعد العالم لشن حرب لا هوادة فيها على تنظيم داعش الإرهابي ويغض بصره عن المجازر والمذابح والمحارق التي يتعرض لها المسلمون في بورما وتحت شعار “لا بيت فيه مسلم في هذا الوطن”، ويغض بصره عن المجازر والتهجير التي يتعرض لها الفلسطينيون و عن الانتهكات الخطيرة لحقوق الإنسان في مناطق كثيرة في هذا العالم .
مما لا شك فيه أن هزيمةَ داعش واِنْهِيَار مؤسساته بَاتَ وَشِيكاً وكذلك فَرَّار بعض من قادته وأنْصَاره بعد قرار دول بشن حرب لا هوادة فيها عليه وهذا لا يعني اِنقراض الإرهاب كلياً أو سوف يغير في المعادلة شيئاً بل سيظهر قريبا تنظيم إرهابي آخر أكثر دموية ووحشية من داعش، فتنظيم داعش قد اِنبَثَقَ من تنظيم القاعدة والقاعدة تتلاشى أمام داعش حين يتعلق الأمر بالوحشية.
نعم، سيظهر قريبا تنظيم إرهابي آخر أكثر دموية ووحشية من داعش ما دام النظام العربي لا يزال يمارس أفضل هواياته ومهاراته “القمع، الاقصاء، الفساد، القتل خارج القانون،نهب ثروات البلاد “، ما دامت إسرائيل تحتل الأراضي العربية،وتمارس هي أيضا أفضل هواياتها ومهاراتها “الاحتلال ومشاريع الاستيطان وجرائم واعتداءات مستمرة على الأرض والإنسان الفلسطيني “،ما دام الصمت الدولي مستمراً بشكل محزن ومخزي تجاه ما يتعرض له الإنسان العربي والمسلم المعاصر محلياً ودولياً .
نعم، سيظهر قريبا تنظيم إرهابي آخر أكثر دموية ووحشية من داعش تماماً مع عودة العسكر ورموز الفساد لحكم مصر، ومحاكمة ثورة 25 يناير المجيدة ، وصدور أحكام البراءة لرموز نظام مبارك وبإدانة الشعب المصري وثورته المجيدة.
لقد أصبحت الحرية في فقه وعقيدة الْإِرْهَابِيين الكبار تهديداً للأمن القومي، نهب ثروات البلاد من قبل أبناء السلطة الحاكمة حقوقاً مشروعة ومكتسبة، القتل خارج إطار القانون حفاظاً على الأمن والمكتسبات الوطنية.
فلا عجب إذن أن تسقط اليمن في قبضة الحوثيين، أو إذا أصبح أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطني المنحل والمتهم بالفساد وباستغلال النفوذ، رئيساً لمجلس الشعب المصري القادم أو رئيساً للوزراء، فلا عجب أن يقوم الجيش المصري قريباً باحتلال غزة و تدمير سيناء ، أو أن نشهد قريبا حربا طائفية بين السنة والشيعة.
نعم، الكلّ يمارس الإرهاب في هذا العالم حسب طريقته وعقيدته سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دُوَلاً في ظل غياب التأصيـل الفكـري لمفهوم العدالة والمساواة، في ظل محاولة طمس هوية الآخرين وانتهاك حقوق الإنسان، في ظل اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء وإرتفاع معدلات البطالة، واِنْتِشار ظاهرة التعصب العنصري، واستشراء وشيوع لغة العنف .
هذا المقال : جزء من فصل “الارهاب، عقيدة وسلاح ” من كتاب أعمل على إِعْدادِه بعنوان “اِندِثار الحَضارة”…

