المتتبع للتحليلات السياسية والمقالات الأمريكية المهتمة بالشأن العربي يمكنه أن يلحظ الاختلافات الجوهرية بين مايتناوله الخبير السياسي الأمريكي ومايتناوله نظيره العربي في وسائل الإعلام العربية ، إذ تتباين وجهات النظروتختلف زوايا الرؤيا لتكون النتيجة مناقضة لبعضها البعض في كثير من الأحيان على الرغم من كون المعطيات واحدة.
يعود السبب في ذلك من وجهة نظري إلى شمولية الرؤية لدى الخبير العربي والإلمام بطبيعة الشعوب العربية والنوازع التي تتحكم في سير الأحداث ( بحكم الإنتماء إلى نفس الأرض والخضوع إلى نفس الظروف) بالإضافة طبعا إلى معاصرته للأحداث الماضية واللاحقة وتتبع انعكاساتها ومآلاتها على أرض الواقع .
ورغم مايبديه الخبير السياسي الأمريكي من وعي بطبيعة الصراعات ومدى تأثيرها وتأثرها بمجريات الأحداث من حولها إلا أن مايطرحه يمثل رؤية مبتسرة لاتأخذ في عين الإعتبار خصوصية المجتمعات وتأثير التغييرات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة مما ينعكس سلبا على الحلول التي يقترحها للخروج من مأزق أو لإنهاء ازمة، ورغم محاولته إلتزام الحيادية إلا أنه كثيرا مايقع في خطأ تفسير مايحدث من منظور شخصي يرتكز على مخزون أيديولوجي إستعماري النزعة لذا تأتي الحلول في معظم الأحيان تحمل طابعا براجماتيا بحتا لاينظر إلى إستقرار الأوضاع في مناطق الصراع إلا من ناحية تحقق المصالح الأمريكية دون النظر إلى مصالح شعوب المنطقة ودون إعمال العقل في البحث عن مخارج حقيقية تحفظ للدول الكبرى مصالحها وتضمن للدول الأخرى عدم المساس بسيادتها واستقلالية قراراتها واحترام رغبات شعوبها .
وحيث أن النظرة الاستعلائية الموروثة التي تنظر بها الدول الكبرى إلى شعوب الدول النامية تهيمن على عقلية الخبير السياسي الغربي عموما والأمريكي على وجه الخصوص تأتي التحليلات محملة بمدلولات ومضامين تروج لفكرة عجزشعوب هذه الدول وقصورها عن استيعاب المفاهيم الحضارية( بما في ذلك الديمقراطية) وتدعم فكرة التعاطي مع حكومات أو نخب حاكمة على حساب الشعوب من أجل ضمان الحفاظ على المصالح الاستراتيجية وعدم تضررها.
وقد أثبتت هذه الفكرة التي تبنتها السياسات الأمريكية السابقة فشلها الذريع لكنها وعلى الرغم من ذلك مايزال العمل بها قائما والأصوات الداعية لها مرتفعة وتحظى بالكثير من الدعم في أوساط صناع القرار الذين أصبحوا لايرون مفرا من التعاطي مع حكومات أثبتت فسادها أو حتى مع ميليشيات عسكرية مادامت تلك الحكومات أو الميليشيات قادرة على تحقيق المصالح الأمريكية العليا.
ولعل الدور الذي يلعبه المنظرون والخبراء الذين تستند إلى رؤيتهم السياسة الأمريكية في التعاطي مع العالم العربي اليوم يشبه إلى حد كبير الدور الذي لعبه بعض المستشرقين سابقا في نقل صوره مشوهه أو قاصرة في أحسن الأحوال عن المنطقة العربية وهو ماأشار إليه المنظر والمفكر الأمريكي الجنسية والفلسطيني الأصل إدوارد سعيد في كتابه القيّم (الإستشراق) الذي صدر عام 1978 والذي أشار فيه إلى الدور السلبي لدراسات المستشرقين ذات الطابع الإمبريالي والشرخ الذي أحدثته بين الحضارة الغربية والشرق أوسطية وقد أثار كتابه هذا ضجة كبيرة وانبرت بعض الأقلام مهاجمة لما ورد فيه ومعارضة له لكن ماأورده من حقائق وماتوصل إليه من نتائج أرغمت الكثيرين على الإعتراف بأهميته كمرجع شامل عند دراسة الدور الإستشراقي في المنطقة العربية..
وفي نفس السياق ساهم الإنتاج السينمائي الهوليودي في تكريس الصورة النمطية للعربي (الغير متحضر) وإظهار الإسلام كخطر يتهدد الأمن الغربي لتستقرالمخاوف منه في الوعي الجمعي للمجتمعات الغربية وتتجلى في الخطابات والكتابات والتحليلات المختلفة.
نخلص إلى القول أن الخطاب السياسي والإعلامي يلعب دورا كبيرا في توجيه الرأي العام كما أن له تأثيراته المباشره في استراتيجية السياسة الأمريكية والتي تأخذ بعين الإعتبار كل تلك التنظيرات والأطروحات في سياساتها الخارجية مع الآخر وليس أدل على ذلك من مقالة لخبير أمريكي تصدرت إحدى صفحات صحيفة أمريكية مرموقة تحدث فيها عما يحدث في اليمن وعمد إلى التذكير بمصالح أمريكا التي ينبغي أن تكون لها الأولويات المطلقة واعتبر الخبير الأمريكي مكافحة الإرهاب هي من أهم الأولويات في المنطقة بغض النظر عن استقرار البلاد من عدمه وبغض النظر عن الصراعات الدائرة ومن يمسك بزمام الأمور واعتبر الخبير أن جماعة الحوثيين مادامت لاتشكل تهديدا حقيقيا على المصالح الأمريكية فلا مانع من التعاطي معها وهو مايدل على أن الأمر سيان من وجهة نظره في التعامل مع حكومة لها قابليتها لدى الشعب اليمني أو التعامل مع عصابة مسلحة استطاعت أن تفرض نفسها بقوة السلاح وبالدعم الخارجي من الدول ذات المصلحة .
بالمقابل أشارأحد الخبراء العرب في إحدى الصحف العربية المرموقة إلى أن الشعب اليمني هو صاحب السلطة على أرضه وأنه لابد من العودة إليه وأن محاولة كسر شوكة إرادته أو فرض وصاية عليه لن يكون في مصلحة أحد وأن حرص أمريكا أو الغرب عموما على مصالحه لاينبغي أن يتعارض بأي حال من الأحوال مع مصالح الشعب اليمني فمصلحة الشعوب تأتي أولا.

