(الإسلام دين الرحمة)،(الإسلام بريء من الإرهاب)، (أنا مسلم ..أنا ضد الإرهاب).
شعارات كثيرة رفعها المسلمون عقب أحداث شارلي إيبدو في فرنسا، لتبرئة ساحة الإسلام من هذا الإرهاب الممنهج الذي أصبح يستغل اسم الإسلام في أفعاله الدنيئة من قتل وذبح وخطف وحرق وغيرها من الأعمال الإجرامية والوحشية التي تبنتها منظمات إرهابية وجماعات متطرفة نسبت نفسها إلى الإسلام وهي أبعد ماتكون عنه .
تغايرت ردود أفعال المسلمين من تضامن مع الضحايا إلى إنكار واستنكار إلى تشكيك من قبل البعض منهم في مناهج التدريس وكتب السلف وبرامج التلفاز الدينية غير أنهم وفي جميع ردود أفعالهم لم يقفوا إلا موقف المدافع الذي يتعرض للهجوم مع عجزه التام عن الصمود أو التصدي فبدوا أقرب إلى المتهمين منهم إلى الأبرياء دون أن يكون للأمر علاقة فعلية بهم بل بمجموعة من المختلين الذين ينسبون أنفسهم إلى دين لم يعرفوا منه سوى بضع آيات تمّ تفسيرها حسب هوى من يقودهم وتعرضوا فوق هذا إلى غسيل للأدمغة وتحريض مدروس وتمويل مفتوح لأغراض لم تعد تخفى على أحد .
نحن إذن بلعنا الطعم بسهولة ويسر واقتنعنا كما سوّق لنا غيرنا أننا بشكل أو بآخر جزء من هذا الإرهاب الذي في حقيقة الأمر طالنا أكثر من غيرنا ودفعنا ثمنه ولانزال حتى هذه اللحظة ولم يكن الأمر بحاجة إلا إلى القليل من القراءة المتأنية للأحداث لمعرفة المستفيد الحقيقي من وجوده بين ظهرانينا أو نسبته إلى ديننا تحديدا قبل الإنجرار إلى التشكيك في الدين كما فعل بعض المنتسبين إلى الإسلام من كتاب ومذيعي العملات الصعبة الذين سارعوا إلى استغلال الحدث واستثمارجهل الأجيال الحالية بدينها وغياب القدوات التاريخية لهم بعد تغييب النماذج الإسلامية المشرفة وطمس أدوارها الخالدة في تاريخ الإنسانية ليشككوا بالدين والتاريخ والثقافة بل والحضارة الإسلامية الإنسانية .
تذكرت كل هذا وأنا أشاهد على اليوتيوب مقطعا تداوله بعض النشطاء ينبري فيه للدفاع عن الإسلام رجل من مسلمي روسيا (التتار) في برنامج روسي يناقش قضية تورط الجماعات الإسلامية المتطرفة في الأحداث الإرهابية الأخيرة ومدى ارتباط هذا بالدين الاسلامي الذي يدين به منتسبيها وبدا البرنامج أشبه بمناظرة حيث ضم بعض المعارضين لكن الرجل بفصاحته و قناعاته وطريقته في ايضاح الأمر استطاع أن يحوز على إعجاب الحاضرين من جمهور الاستديو وأن ينتزع منهم التصفيق .
ولعل مالفت إنتباهي في هذا المقطع (عدا عن اعتزاز الرجل بدينه وثقته بالمبادئ العظيمة التي ينادي بها الدين الذي ينتمي اليه) هي تلك المقدرة العجيبة على المحاججة من منطلق انساني محض كان ولايزال الركيزة الأساسية لديننا الحنيف دون أن يتنبه الكثيرون لهذا الأمر في دفاعاتهم عن الدين ودون أن يستند إليه الدعاة في ندواتهم التي يلقونها على مسامع التلاميذ المتعطشين لفهم دينهم الصحيح كما أنزله الله لا كما فسره أصحاب الأهواء، وحقيقة فإن احتكاك هذا الشاب الفاضل بالآخر واطلاعه على ثقافات مختلفة وتفاعله مع مكونات فكرية وعقائدية مغايرة وتلقيه المعرفة الدينية الحقة المرتبطة بثقافة البناء والتعمير والصدق والمعاملة الحسنة والكف عن الأذى والإحسان إلى الآخر من بشر وحيوان وطير وزرع كل هذا أثر عليه إيجابا فأثرى فكره وأنار بصيرته وأيقظ في أعماقه الإحساس بجماليات الحياة من حولنا حين يسود العدل وترفرف المحبة ويسمو الجميع بسلوكياتهم .
يُذكّر الرجل بالآية القرآنية (وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين). وماذا بعد هده الآية من حجة لكل ذي لب؟!.
ويوضح للجميع كيف أن منفذي الهجمات ولدوا وترعرعوا في الغرب وتشبعوا بأفكار ورؤى غربية بحتة عن الدين الإسلامي (الذي هو الدين الإرهابي على شاشات التلفاز الغربية ) وأن أربعة عشر قرنا مضت من الإسلام لم ينسب فيها الإرهاب إلى الإسلام إلا بعد أفغانستان!! وأنه من الخطأ أن يعتذر مليار ونصف مسلم عن جريمة أرتكبتها نسبة لاتكاد تعد من أفراده .
ذكر الرجل أيضا الآية القرآنية (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ
وشرح الحديث الشريف ( الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ ) وبيّن قوله تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ).
حظى الرجل بالتصفيق رغم تحفظ البعض، لكنه من وجهة نظري حظى بما هو أعظم وهو الإحترام
لامناص إذن من الاعتراف بحقيقة أن الفكر المنير هو مانحتاج إليه في هذه الأوقات الصعبة و أن المفكر الديني المستنير هو من سيتولى الوقوف في وجه الجهل وسيدحض بالحجة الدامغة كل الآراء المشككة وسيصبح القبلة الحقيقية للشباب المسلم الذي ينبغي أن يدرك أن دينه هو دين الرحمة والعدل والمساواة والحقوق واحترام الأقليات والتعاطي مع الآخر وأن نبيه هو نبي الرحمة المهداة إلى البشرية جمعاء .
عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف أصحابه يوم بدر ، و في يده قدح يعدل بهالقوم ، فمر بسواد بن غزية – حليف بني عدي بن النجار – و هو مستنتل من الصف ،فطعن في بطنه بالقدح ، و قال : ” استو يا سواد ” ، فقال : يا رسول الله ! أوجعتني و قد بعثك الله بالحق و العدل ، فأقدني . قال : فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، و قال : ” استقد ” ، قال : فاعتنقه فقبل بطنه ، فقال : ” ما حملك على هذا يا سواد ؟ ” قال : يا رسول الله ! حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك : أن يمس جلدي جلدك ! فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير.
صلوات الله عليك يانبي الرحمة والسلام

