الرئيسية » مكالمة لم يرد عليها

مكالمة لم يرد عليها

10685382_839093549464597_6259316807475507318_n

بقلم _بسمة عبد الفتاح
………………………….
تعودت وأنا ذاهبة إلى الكلية التي أدرس فيها في خور مكسر / عدن ، أن أمرّ من جوار جولة بدر أو جولة الطيارة كما يطلق عليها البعض وهي أمام معسكر بدر ، هناك ينتهي بي المطاف وأنا أصل من تعز إلى كلية التربية بخور مكسر ،وكنت كلما مررت بهذا المكان أتساءل كيف يتم إنشاء معسكر إلى جوار كلية في داخل حي مدني مليء بالسكان والمعاهد والمتاجر ؟؟ وظل الخوف وعدم الشعور بالأمان يلازمانني كلما مررت بذلك المكان .
في أثناء ازدياد الضرب على خور مكسر من قِبل الأمن المركزي أو الحوثيين أو شمال الشمال ، تذكرت كل أهلي وزملائي وأساتذتي الساكنين هناك ، أستاذي الذي يسكن إلى جوار معسكر بدر ويناديني دائما يا ابنتي هاتفه مغلق ، اتصلت عليه مرار ومازال هاتفه مغلقا إلى حين كتابة هذه السطور ، وبقية أساتذي كلما اتصلت عليهم لم يردوا على اتصالي ، وفي كل اتصال تدون في هواتفهم مكالمة لم يرد عليها ، حتى أهلي الذي أسكن معهم حال دراستي وسفري إلى عدن لم يردوا علي حينها وقد تركوا منزلهم ونزحوا ، فيزيد أفق التلقي لدي بالفجيعة ، فكم من الأهل والأصدقاء والإخوة والزملاء لم يردوا على ذويهم ، كم منهم صمت هاتفه ولم يجد شحنا لانقطاع الكهرباء ، وكم منهم صمت هاتفه لأن صاحبه تضرّج بدمائه على الإسفلت برصاصة قادمة من شمال الشمال تحت مبرر الحفاظ على الوحدة أو قتال الدواعش والتكفيرين أو …أو …. .
ذات يوم وبتكرر اتصالاتي ، اتصل بي أحد أساتذتي ليقول لي نحن بخير فدمعت عيناي فرحا ، وجاوبني آخر ليقول لي كوني شاهدة ، هل تعلمي أن بعض محلات أبناء الشمال من أخوتنا الذين نعيش معهم اسُتغلت لتكون مخازن و أسلحة وذخيرة ليقتلونا بها ، وأنا أخبرك وأنا مسؤول عن كلامي .
دمعت عيناي حزنا هذه المرة ، ماذا أقول له وهو تحت خط النار ، كيف أبرر له أن كل من اسُتغل متجره أو منزله هو في الأغلب مغصوب على ذلك وقد يكون مهددا ، وقد يكون أحيانا ممن انفتحت شهيتهم للعداء ، لكني أعلم يقينا أن من طمعت نفوسهم بالثروات والحكم والاستيلاء ليس كل أبناء الشمال ، بل هم من يحملون السلاح ليحكموا بقوة النفوذ والانتقام ، فليس كل من ينتمي للشمال يرضيه ما يحدث لمدينة عدن الحبيبة وللضالع ولحج ولأي بقعة في بلدي ، فما زال الشرخ الذي حدث في حرب 1994م داميا ، ومازال بطل الحرب آنذاك يستمرئ القوة ليخضع عدن لحكمه من جديد .
منطق الغلبة التي اقتحمت به عدن كما يسميه البعض ( إما أن نحكمكم أو نقتلكم ) لم يعد ناجعا الآن ، فقد توسع الشرخ منذ حرب 94م ، وأصبح لسان حال المواطن الجنوبي إما الانتصار أو الموت .
وهنا أتساءل على من ينتصر اليمنيون وعلام يتقاتلون ، ولمَ يوجه شمال الشمال ومرتزقته سلاحهم إلى صدور أبناء الجنوب ؟؟؟ أسئلة مهما بحثنا في إجاباتها فإنها تصب في جراب الاستحواذ والإخضاع الذي يسعى إليه شمال الشمال تحت مبررات مختلفة ، وغير مقبولة ، فكل من خالفهم قاعدة ودواعش يسعون لقتالهم ، بينما يحللون لأنفسهم كل شيء للوصول إلى كرسي الحكم .
حمى الاستيلاء التي سيطرت على مراكز القوى الانقلابية في شمال الشمال جلبت لنا عاصفة الحزم التي ظاهرها فيها الرحمة لمدينة عدن وباطنها من قبلها العذاب للوطن بأكمله ، فكل بُنية تُدمر هي بنية بلادي ، وللعاصفة إن كانت جادة أن توجه أولا ضرباتها لمن تعرف أماكنهم بدقة ، لرؤوس الثعابين حتى إذا ماتت الرؤوس مات بقية الجسد .
اليمن كلها بلادنا ومهما اختلفنا فمؤلم أن تقصف بلدي من خارجها وتُقصف من داخلها ، والسبب هم أبناء اليمن .ولا يوجد مبرر تُسفك من أجله الدماء وتحفر الأنفاق ويُجوع الأطفال ، ويقتل الشباب ، وتُفزع النساء ، فالوحدة التي يتغنى بها المقاتلون لإخصاع الآخر في الجنوب لم تعد مقبولة بالقوة ، والاحتقان يزيد يوما بعد يوم والشعب بأكمله يدفع ثمن النفوذ في شمال الشمال ، فما الذي يستفيده أبناء اليمن من انتهاج مبدأ القوة سوى رد فعل أقوى يخلف الدمار للشعب والوطن .
إلى من يسكن في قلبه حب اليمن : كل الدماء التي تسيل على الارض يمنية ولن تخلف غير الحقد والإنتقام ، فأين أنتم ، ولمَ الصمت ؟ وأين أولئك الذين يتغنون بالوطنية وبحب اليمن في القنوات الفضائية العربية والأجنبية ؟ أين هم ليسجلوا مواقف تاريخية لوقف النزيف اليمني ؟ أم أن خطاباتهم لا تعدو أن تكون إعلاما فارغا من المكاتب المكيفة التي تعمل بالدفع المسبق ؟ أين أنتم جميعا ؟ أين أنتم من اليمن ؟ لماذا تصمتون وقت الحاجة إليكم ؟ وفي وقت السلام تأتون لتعطوا أنفسكم الأحقية في امتطاء مجد صنعه غيركم من الشباب الحالم المناوئ للظلم . اليمن يا كل هؤلاء لا يحتاج إلى الرصاص بل يحتاج إلى البناء ، يحتاج إلى احترام خيارات أبنائه في تقرير مصيرهم ، وفي اختيار حكامهم ، نحن في القرن الواحد والعشرين ، ولم تعد القوة وسيلة تخويف أو إخضاع ، فالعنف يولد عنفا ، وها أنتم تشاهدون اليمن بأم أعينكم قد أصبحت حلبة صراع وكل حليف يدعم حليفه في الصراع ، والخاسر الوحيد في الحرب هو بلدي اليمن ، واليتامى الذين تدون مكالماتهم لذويهم في الهواتف بمكالمة لم يرد عليها إلى أن ينتهي الشحن أو يصبح الهاتف غنيمة حرب أو فيد مباح لمن يمتلك القوة .

تصفح ايضاً

يمنا واحد مهما علاء صوت المرجفين وارتفع

ادارة النشر

يتحاربون ونحن نعزف في الظل

Mohammad Amin

يبثُّ سُمّه حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة!

ادارة النشر

يامـُـــدَّعي حُــــــبَّ الوطن

ادارة النشر

ياالله مالنا غيرك يا الله

Mohammad Amin

يا له من كابوس

مروان الغفوري