على عكازِهِ كان يتكئ وطن ، وحين سقط العكاز، سقط الوطن !
ظهر نقياً في جيشٍ متخمٍ بالخونة، والمرتزقة، وباعة الضمير ، وسرعان ما علت أصواتهم جميعاً : اقتلوا حميد أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه زعيمكم صالح وسيدكم الحوثي!
يصرخ آخر : اخرجوهم من جيشكم، إنهم أُناسٌ يتطهرون ، طهارته كانت تهمة، وتهمةٌ كهذه تستحق أن تُخلد في سِجلات الرجولة ، ومحافل الشرف والنضال .
لم يبع دينه ووطنه، فاشتراه الله ، والثمن الشهادة ..
كان يستطيع الانضمام إلى جوقة الباعة والمشترين، أو إلى شلة المرتزقة والفاسدين، أو حتى إلى مجموعة الفارين والهاربين ، لكنه تسامى على كل هذه الصغائر، وأسس مذهباً للكرامة والثبات والإباء، وصار (قِبلةً) يحج إليها كل ذي شرف، ويأتيها الأحرار من كل فجٍ عميق !
كان يعرف عاقبة مواجهة مليشيات سُخرت لها كل إمكانيات الدولة، لكنه كان يعرف أكثر عاقبة الانحناء أمام عاصفتها الهوجاء، وعقوبة الانبطاح والركوع والخنوع وتقبيل رُكبة السيد الذي أنزله الإله (بقرطاسٍ) كما يزعمون !
كثيرون لم يكونوا يدركون مثل هكذا عواقب، لذا ترى بعضهم يذرفون الدموع الآن أمام عدسات الكاميرات كالنساء حزناً على وطنٍ باعوه لمليشياتٍ بدأت بتوزيع الإذلال على الجميع،
وفي حين كانت تعطي العاديين سهماً واحداً كانت تجرع الخونة سهمين اثنين ، فهي تدرك أنهم سيخونوها كما خانوا من قبل ،
فيما البعض الآخر استمرأ العبودية، وبقي يرسم على وجهه ابتساماتٍ صفراء، حتى إذا فرغ إلى نفسه بكى بمرارةٍ رجولته المستنزفة، وكبرياءه الملطخ بالعار ، حتى لم يعد به طاقةٌ لتحمل نظرات طفله الذي يهزئ به أصدقاءه في المدرسته بصفته إبناً للخائن !!!
رحل القشيبي كرجل، وبقي هؤلاء على قيد الحياة ككائناتٍ قذرة، يأنف حتى الموت من قبض أرواحها الخالية من أي روح !
رحل القشيبي مسيجاً باحترام أعداءه، وحب أصدقاءه، وبوردةٍ على قبره رفضت الذبول ، إذ تسقيها دموع الوطن المنسكبة تحت ستار الظلام كل مساء ..
وبقي هؤلاء تحت أقدام من خانوا الوطن لأجلهم ، وتحت أحذية التاريخ..
التاريخ الذي سجل ويسجل بطلاً واحداً ، وكومةٌ من خونةٍ ومرتزقةٍ ، جعلت البزة العسكرية في أنظار الناس مرادفاً للخيانة، ولباساً رسمياً لكل ما على الأرض من قذارة!
شكراً جمال حميد المليكي شكراً Safa Karman
شكراً لأنكما تذكران هذا الشعب ببطلٍ كالكون ، اسمه حميد القشيبي ، رغم أن الشعب لم ينسه أصلاً ، ولن ينساه !

