الرئيسية » عائلة لبست ثوب الجمهورية

عائلة لبست ثوب الجمهورية

محمد عمرانيبقلم – محمد عمراني

تعرف السياسة في الكتب بأنها إدارة القوة ، أما نظام صالح فلم يكن يدير القوة بل كان يسعى ليملكها . ذات يوم وفي شقة استأجرتها حديثا ، أوقفت سيارتي في الشارع ، استدعاني صاحب شقة مجاورة مطالبا إياي بأن أزيح سيارتي من مكانها باعتبار أن الموقف أصبح له ، كان في الشارع مساخات أخرى فارغة يمكن أن يوقف سيارته فيها ، ولكن الرجل لطول المدة كان يرى أن الشارع العام أصبح ملكا له لأنه منذ فترة طويلة كان يقف بسيارته هناك دون أن يعترض عليه أحد ، فطول البقاء يشعر بالملكية وهذه مسألة لها علاقة بالبعد السايكولوجي وتفسير السلوك .

 

صالح كان قد ملك اليمن ، والملك ينتزع انتزاعا ، ولهذا كانت ثورة 2011 ، كانت ثورة لم تكن لشيء سوى ثورة في طريقها الصحيح في عمليات متتالية لانتزاع الملك . هي ذات المشكلة التي واجهها اليمنيون مع نظام الملكية الذي اضطر اليمنيون للثورة عليه بعد أن فشلت كل عمليات الترميم ومحاولات الإصلاح .التي كان الثوار قد حاولوا إصلاحها عبر محاولات متعددة . عندما يصبح الحكم مستعصيا على الإصلاح تصبح الثورة عملا واجب الحدوث ، وكذلك كانت ثورة 2011 . يمكننا أن نفهم الصورة أكثر من خلال تحليل سريع ومبسط للجيش حيث كانت القبضة العائلية شديدة الإحكام .

 

عندما يسألك الناس عن الجيش اليمني فإن تاريخ انهياره يبدأ من اللحظة التي ظهر فيها أحمد علي صالح كرجل يلبس البزة العسكرية ، بمعنى أشمل عند ظهور الجيل الثاني من العائلة المالكة . في العلوم الإدارية تكون الشركات الخاصة قد عبرت نقطة الخطر لضمان الاستقرار عندما تتعدى مشاكلها الجيل الثاني من الوارثين . في الطريق إلى امتلاك الجيش فعل صالح كل الأفاعيل كي يمهد الطريق أمام القادمين الجدد من العائلة الحاكمة .

 

يمكنك أن ترصد أول حالات انشقاق الجيش عندما دخل الرجل الوسيم في الخدمة ، بدأ تأسيس الجيش الخاص على حساب كل الجيش الوطني ، كانت المظاهر متعددة لتصفية الساحة في طريق امتلاك الجيش وضمان عبور الجيل الثاني ، اغتيالات في صفوف الضباط ، وتفعيل قانون التقاعد بحسب الحاجة وعند الضرورة تفتح حروب استنزاف للجيش من أجل إفساح المجال لجيشهم الجديد الذي جرى هندسته بحسب الرغبة وطبق المواصفات .

 

في العام 2006 كان صالح يقول بلا خجل ودون خوف من أحد ، نحن نبني الجيوش من أجل الحفاظ على الكرسي وبغرض الاستعراضات العسكرية ، كان يقول ذلك في لحظة صدق ولحظة نشوة ولحظة أمان من أن يغضب الجيش ، الجيش الذي صنعه لكرسيه . لم يفعل صالح شيئا للوطن سوى أنه أعاد هندسة الجيش كي يصبح جيشه الخاص فيما يتخلص من مكامن الخطر ، الخطر على العرش الخاص والعائلة الخاصة وليس على الوطن .

 

كان التعامل مع وحدات الجيش يعكس هذه الاصطفاء ، فمعسكرات الأبناء تحظى بالتسليح والتدريب والرعاية والدعم والإسناد ، مستشفيات خاصة وتأمين صحي وتسليح قوي وحتى بدلات عسكرية فائقة الجودة ، وهذا ليس عيبا ، العيب فقط أن تكون كذلك لأنها تحت قيادة ذويه ومقربيه .

 

وحدات عسكرية كاملة اختفت وتحولت إلى كيانات هشة بلا موازنات ولا فاعلية ، قوات المظلات وقوات الصاعقة وقوات العمالقة وألوية الشرطة العسكرية والأمن العام ومسميات عديدة كنا نسمع عنها في الاستعراضات العسكرية في أعياد الثورة ، كلها ذابت داخل الأنسجة الجديدة التي أصبحت تمد صالح وشبكته مصالحه بالقوة والسيطرة والنفوذ .

 

كانت تلك هي نقطة الانفصال الأولى التي زرعها صالح في جسد الجيش وجعل الجيش الذي يقوده أبناؤه حديثي التخرج هو الجيش فيما يضرب بقسوة بقية الجيش في محاولة لإزاحتهم عن المشهد ، يوزعهم في الوديان والأدغال والجبال بلا مقابل ولا بدلات ولا حقوق ، فيما يوفر العتاد والألوية والمخازن العملاقة للسلاح بالقرب منه وتحت سمعه وبصره .

 

عندما جاءت 2011 كان الجيش منقسما ، ولم يكن إعلان محسن سوى تحصيل حاصل ، فالضباط والصف والجنود كانو قد تسربو للساحات من تلقاء أنفسهم كنوع من الانتقام الذي يصنعه الجيش فيمن يتجاهله ، فيما تحلق الآخرون حول مصالحهم بجانب الحطام الذي صار يسمى “الزعيم” .

 

حين جاءت ثورة 2011 م وقفت على حقائق مذهلة تأكد من خلالها أن هذا النظام أصبح مستعصيا على الإصلاح وكان لابد أن يسقط ، وكانت أهم هذه الحقائق هي حقائق هذا الملف الخطير ، ملف القوة . كانت وزارة الدفاع تختفي تدريجيا لصالح الحرس الجمهوري ، حتى إن وزير الدفاع- بحسب الروايات التي يحكيها ضباط الحرس أنفسهم – كان ينتظر زمنا كي يؤذن له بالدخول إلى مكتب قائد الحرس والذي هو بالأساس موظف تحت إدارته .!!! في الأثناء كانت وزارة الداخلية بكل تشكيلاتها وهيكلها تغيب بهدوء لصالح قوات الأمن المركزي التي يديرها ضابط كانت أهم مؤهلاته أنه ابن أخ !! ، وصار وزير الداخلية شكلا هرميا ضروريا للاستعراض والاحتفالات فيما تضطلع هذه القوات بكل مهام الأمن وتلغي عمليا أي دور للوزارة . كل الهياكل أحيلت عمليا للتقاعد وبقيت لها رواتبها فقط .

 

عندما كنت تزور الموقع الالكتروني لوزارة الداخلية والموقع الالكتروني للأمن المركزي لايكون من الصعب عليك أن تدرك أن وزارة الداخلية غير قادرة حتى على رعاية موقع الكتروني بينما تكتشف أن مهام الوزارة كلها قد نقلت تحت قيادة الظل التي تسمى الأمن المركزي والتي يقودها ابن أخ صالح .

 

أصبح جندي الأمن العام يشعر بالحسرة ويتمنى لو كان عسكريا في الأمن المركزي وتدريجيا غاب هذا الجندي أيضا ، لا أستطيع أن أتذكر كيف كان اللون للبدلة العسكرية التي يلبسها مجند الأمن العام ، إلا أني أستطيع أن أتذكر أن الجندي في الأمن العام كان يتلاشى بغضب ملحوظ . في الاستخبارات أنشأ صالح جهاز الأمن القومي وجعل ابن أخيه علي رأسه وأصبح موظفو الأمن القومي اصحاب حظوة وحظوظ ، مسدسات خاصة وامتيازات عديدةوظريقة حياة توحي بالفارق ، فيما يعيش زملاؤهم في الأمن السياسي حالة من شظف العيش ومحدودية الامكانيات .

 

هذه الملاحظات كان ليلحظها رجل الشارع البسيط فضلا عن أي مراقب لوضع الموازنات والاعتمادات والدعم في هذه القطاعات .

 

عندما يكبر أحد أبناء العائلة ويتخرج من كليته العسكرية لا يلتحق بالجيش مثل باقي الضباط ، بل تنشأ لأجله وحداته الخاصة واعتماداته الخاصة ونفوذه الخاص ، يخلقون له جيشا خاصا تحت إدارته مرة يسمونها الحرس الخاص ومرة باسم مشاة جبلي وهكذا لا لحاجة الوطن للجيش بل لحاجة الضابط الخريج لمكان للنفوذ والحكم . هكذا كانت الحقيقة واضحة ، بدلا من الجيش هناك الحرس الجمهوري والخاص وبدلا من الأمن هناك الأمن المركزي وبدلا من الأمن السياسي هناك الأمن القومي وهذه كلها تديرها أيد أمينة جدا بالنسبة لصالح .

 

ستلاحظون بوضوح أن انحيازات الجيش والأمن وأجهزة الاستخبارات في ثورة 2011 م كانت تحصيل حاصل فهذه الأجهزة كانت بالقدر الذي تقول إنها تحمي الثورة كانت تحتمي بها من تغول الأبناء ونفوذ العائلة الصغيرة .

 

هذه واحدة من أهم الحقائق التي أدركتها الثورة وواجهتها في 2011م ، وكانت الثورة عملا ضروريا يهدف لاستخلاص الجيش من براثن العائلة التي لم تترك شيئا للوطن فأهداف الثورة الأم كانت تشترط جيشا وطنيا قبل أن يكون قويا ، ناهيك عن حقائق كانت أكثر وضوحا في ملفات القوة الأخرى في ملف الثروة والمال والسيطرة على الحركة الاقتصادية عبر شركات خدمية في مجال الطاقة والغاز يمكن أن تفرد لها المساحا ت ونؤلف لأجلها الكتب .

 

هذه السيطرة المطلقة على القوة تجعل من العمل السياسي نوعا من شهادة الزور وتجميلا لنظام عائلة كل مافعلته أنها لبست الزي الجمهوري وتدثرت بالديموقراطية ، الديموقراطية التي لايمكنها حتى تدوير الكراسي بين ذات الأسماء .

 

ماحصل بعد الثورة كان مخيبا للآمال ، فبدلا من انتزاع الجيش من يد العصابة العائلة كما كانت تهدف الثورة ، سلكت قيادة الجيش الجديدة ومشروع الهيكلة سلوكا تدميريا، وسنغض الطرف هنا عن التركيبة المعقدة للجيش والتي تحضر فيه المنطقة والقبيلة والولاء الخاص بشكل يجعل من هيكلته أمرا معقدا ، فبدلا من الحفاظ على المزايا التي يحظى بها جنود الحرس والأمن المركزي وموظفو الأمن القومي وتعميمها لتصبح حقا لكل الوحدات كي تجد حظها من التسليح والتدريب والرعاية ، بدلا من ترقيه زملاءهم في بقية الوحدات تم مساواتهم جميعا بشكل سلبي ، وبدل أن يوزعوا المزايا وزعوا الظلم والحرمان ، ووجد مجند الحرس والأمن المركزي وموظف الأمن القومي نفسه متعبا كما لم يكن من قبل ، كما لو أن الثورة كانت مشروعا لاستئصاله ، وظل يعقد المقارنات بين زمن الخير الذي كان وزمن الثورة الأغبر ، وكان جشع القادة الجدد الذين أنتجتهم التسويات قد جعل من هذه المغالطة تظهر كما لو أنها كانت الحقيقة .

 

كانت هذه هي الضربة قاسية جدا ، فبعد سقوط صنعاء وتآكل القوات العسكرية التي ساندت الثورة لأسباب يطول شرحها ، عادت وحدات الجيش التي ظلت متماسكة بفعل التدخل الأمريكي في مشروع الهيكلة للحفاظ على الوحدات التي كانت قد أسهمت في تدريبها ، عادت كل تلك الوحدات في أحضان العائلة بعد أن كان بعضها قد غادرها ، العائلة التي كانت قد استفادت كثيرا من هذا الغباء الاسطوري للقيادة الجديدة التي نفخت كروشها بحقوق العسكر وبدأت مشوارا من الدسائس والقبح ، وسعت الهوة وسحقت بقايا الأمل ، وكانت هذه المآلات التي تدك الآن حصون الوطن .

 

في تاريخ الجيش اليمني نقاط سود كثيرة ، لكن النقطة السوداء التي أحدثها محمــد ناصر أحمد كانت توازي النقطة السوداء التي أحدثها ظهور الجيل الثاني من العائلة . صالح لم يكن رئيسا جمهوريا ، لقد كان ملكا في القصر الجمهوري ، وعندما صرخ الشباب بكلمة التاريخ “ارحل ” رد عليهم صالح متعجبا ” يرحل من يرحل ؟ ” وكان الرجل يدرك أنه يمتلك كل القوة ، والذي يمتلك القوة فكيف يرحل ؟ . لاشك أن هؤلاء الشباب ساذجين جدا فهم لايعلمون أن رحيلي سيقتضي منهم هزيمة جيش الملك، هكذا تمتم صالح في نفسه قبل أن يتساءل “يرحل من يرحل ؟ ” .

 

صالح دخل الحروب مع الحوثي لا بسبب لاوطنية الحوثي ولا لأنه من أنصار الكهنوت ، اللفظة التي ظل صالح يرددها طيلة فترة حكمه دون أن يفهم معناها ، ولا لأن الحوثي كان يربي أطفال صعدة على المذهبية والطائفية ، بل لأن الحوثي يومها رفع صوته في قضية التوريث ، وكان الحوثي يومها يقول ” إذا كانت الجمهورية ستصبح نظاما وراثيا فأنا أحق بالملك منه ” ، ومثلما بدأت الحرب بينهما لذات الأسباب انتهت الأمور بحربهما على الوطن ولذات الأسباب أيضا ، الأسباب التي تلخصها كلمة واحدة ” الملك” .

 

في النهاية ، لسنا ملزمين بإقناع موظفي صالح الذين وظفهم للدفاع عنه بهذه الحقائق التي يعلمونها جيدا كما يعرفون أبناءهم ، هذه المهمات المستحيلة لم تعد مجدية ، ثمة مشكلة تتعلق بإرادتهم للخضوع ، ولهذا يجحدون ما تستيقنه نفسهم ، لكننا ملزمين بأن نقول الحقائق فقط .

 

وأم الحقائق هي أن اليمن لن تكون مزرعة خاصة ، والشعب الذي شب عن الطوق لن يقبل أن تحكمه عائلة سواء لبست هذه العائلة ثياب الجمهورية أو ثياب الدين والكهنوت . أكتب قصة الجيش هذه تحت وقع قذائفهم ، القذائف التي اقتطعها صالح من وجعنا وقوتنا وقوت أبنائنا لتصبح قذائف لجيش الملك . الملك الذي لن يكون ، فقد عقرته الثورة وأبناءه إلى الأبد .

تصفح ايضاً

يمنا واحد مهما علاء صوت المرجفين وارتفع

ادارة النشر

يتحاربون ونحن نعزف في الظل

Mohammad Amin

يبثُّ سُمّه حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة!

ادارة النشر

يامـُـــدَّعي حُــــــبَّ الوطن

ادارة النشر

ياالله مالنا غيرك يا الله

Mohammad Amin

يا له من كابوس

مروان الغفوري