حين تستعرض تاريخ ومواقف المقاومة الشعبية التي تقاوم الانقلاب الذي قادته مليشيات الحوثي،وعصابات صالح، فإنك تتوقف أمام البطولات التي سطرها شباب مشرعة وحدنان بجبل صبر باعجاب واندهاش لا مثيل له.
ذلك أن هذه المديرية التي كانت تلاحق أبناءها جزافا التهم بالتحوث قد كتبت أساطيرا من الشجاعة والاعجاز في أسفار المجد، وهي أساطير كتبها شباب يافع وفتيان بعمر الزهور، عاشوا حياتهم وهم يتسلحون بالقلم والتعليم والسلوك المدني، حيث كان الصبري يقدس القانون ويحتكم للقضاء وللدولة حتى صار في العرف الشائع والمخيال الشعبي يتردد المثل القائل: “اقتل الصبري ولا تشارعه” .
وهؤلاء الشباب حين ناداهم داع السلاح للدفاع عن الأرض والعرض والشرف قاموا دون تردد لتلبية النداء، وقدموا أغلى التضحيات، وأبدعوا في استخدام البندقية كما يبدعون دوما في استخدام سلاح القلم في مديرية تصنف أنها الأولى في التحصيل العلمي.
73 شهيدا أناروا سماء جبل صبر، وصنعوا النصر الإلهي، وألحقوا بعدوهم هزيمة لا تنسى.
وعلى امتداد المعارك الحربية التي استمرت في الفترة بين 15يوليو و18 أغسطس 2015 فقد قدمت المقاومة 73 شهيدا أناروا سماء جبل صبر، وصنعوا النصر الإلهي، وألحقوا بعدوهم هزيمة لا تنسى حين مرغوا أنفه بالتراب رغم العتاد العسكري والبشري الضخم الذي عزز به العدو نحو أرض المعركة.
من وجهة نظر “أبو قيس” وهو قائد الميداني في صفوف المقاومة فقد كان التعليم الذي يتميز به الشباب هنا يمثل عاملا مساعد في انضباطهم وتنفيذهم للأوامر التي يتلقونها من القادة الميدانيين، كما أن ذلك قد ساعد في تسهيل التعامل مع المقاومين وتنفيذ الخطط العسكرية بشكل دقيق كان من شأنه أن تنتصر المقاومة، ويندحر العدو وهو يجر أذيال العار وفي رصيده كشوفات بأسماء ما يقارب من 500 قتيل، وعشرات الأسرى، وآلاف الجرحى بحيث ظل العدو عاجزا عن توفير النعوش لقتلاه، فترك جثث الأغلبية منهم فريسة للكلاب الضالة، أو مدفونة في تراب جبل صبر الذي ظل عصيا عن التركيع.
وبعد أن تتوجت المقاومة بالنصر المؤزر وقد دمرت للعدو دبابة وعشرات الأطقم واستولت على بعضها، فقد انتقل الشباب المقاوم إلى مرحلة جديدة من مراحل المقاومة، حيث قاموا بإنشاء مبادرة لإسعاف مدينة تعز بالمياه في ظل الحصار الخانق الذي أطبقته عليها المليشيات، فكان قائد الجبهة المقاوم “مبارك هزاع” مع مجموعة من رفاقه يسقون ظمأ المدينة عن طريق نقل المياه بواسطة الأطقم العسكرية التي غنمتها المقاومة، حيث يقومون بنقل الماء بشكل يومي وتوزيعه على الأهالي في المدينة المحاصرة مجانا، في تجربة إنسانية فريدة ترسم اللوحة المتكاملة للعمل المقاوم.
وفي حين كان مبارك ورفاقه يسعفون المدينة بالماء، كان البعض الآخر يحرسون القرى ويعملون على تأمينها من أي تسللات أو اختراقات محتملة قد يقوم بها العدو، كما أنهم يعملون على تثبيت الأمن في المديرية وتقديم النموذج الراقي للمقاومة التي تبني وتقاوم.
“وضاح محمد” والذي يشتهر هنا بالحويسة شاب في مقتبل العمر، شارك في المعارك منذ بداياتها واغتنم بندقية هو الآن يشارك في حملة ارواء مدينة تعز بالماء، ومن وجهة نظره فإن العمل المقاوم لا يقتصر على العمل العسكري فحسب، بل يجب أن يتعدى ذلك لأن يقوم المقاوم بالدور الواجب عليه في تقديم المساعدة للناس، وانقاذ تعز من الظمأ وفك الحصار عنها في مقدمة أولوياتنا”.
وبلاشك فإن هذا المبادرة الإنسانية قد لاقت الكثير من الصدى كونها تمثل النموذج الراقي الذي يجب أن يكون عليه المقاوم، وأثبتت أن المقاومة قادرة على ابتكار وسائل جديدة لصناعة النصر وهزيمة القوى الإنقلابية، فالذي يتشبث بالأرض يمتلك من عوامل القوة ما لا يمتلكه عدوه بالتأكيد، حتى وإن امتلك عدوه المال والسلاح لكنه لا يملك سلاح الإرادة وعدالة القضية.
وحين كان المقاوم يقاوم ويسقي، كان له يد أخرى تبني وتفك الحصار الخانق على المدينة، فقام المقاومون بشق طريق يصل بين مديريتهم وبين التربة ليكون حلقة الوصل الآمنة بين تعز وعدن، ويمثل بذلك شريان الحياة الذي سيجعل المدينة تتنفس وتكسر القيد عن نفسها، وهذا من شأنه أن يعلي من الرصيد النضالي لمقاومة مشرعة وحدنان.
“نحن نشق هذه الطريق كي تتنفس مدينة تعز” هكذا يتحدث “محمد عبدالغني” وهو أحد أبناء المنطقة الذين يؤكدون أن شق هذه الطريق سيكسر الحصار المطبق على المدينة وسيعمل على وصول المساعدات الغذائية والدوائية للمواطنين في المدينة، وسيكون من شأن ذلك أن يدمر أحلام المليشيات في تركيع تعز التي علمتنا أنها تنتصر دوما”.
هي إذن فصول وتجارب من تجارب العمل المقاوم تستحق الوقوف أمامها وأخذ العبر في كيفية صناعة النصر طالما نمتلك الارادة والعزيمة، لتزهو مشرعة وحدنان أن لها يدا تبني ويدا تسقي ويدا تقاوم.
