سمعت معلومةً عميقةً جداً من صديق، عندما قال: «هناك هدايا عظيمة من الله في كل يوم، وكل دقيقة، بعضنا يدركها، وبعضنا الآخر لا يعرف عنها شيئاً»، توقفت قليلاً لتأمل هذه العبارة، وقلت: أين يذهب القبح أو الألم، وعدت أتأمل العبارة مرة أخرى حتى استبصرت معناها العميق، لذا أحببت أن تشاركوني المعنى والجوهر.
كل شيء في الحياة له وجهان سالب وموجب، جمال وقبح، فرح وحزن، فقر وغنى، لائحة تطول بالشيء ونقيضه، وهنا بالذات يتشكل المعنى في كل شيء، قبحه أو جماله، يعتمد ذلك بالدرجة الأولى على بصيرتنا ووعينا في فهم كل درس، أو عبرة، أو هدية، أو مكافأة، هي معلم الإنسان في كيفية استيعاب دوره في الحياة، بعضنا يستوعب ويدرك الدروس بمجرد المرور بها وخوض تجربتها، سواءً أكانت إيجابية كترقية وظيفية، أو الحصول على مكسب مالي، أو نيل شهادة عليا، أم العكس خسارة شيء ما مادي، أو التأخر في الحصول على شهادة معينة، أو افتقاد شخص عزيز عليه.
الواعي والمستبصر يدرك أن خلف هذه المواقف دروس وعبر، تعلمه كيف يستفيد من ذلك النجاح ويسخِّره لنفسه ولمن حوله أيضاً، أي يتشارك بهذا النجاح بإيجابية مع الآخرين، إن كان مساعدة مادية، أو اجتماعية، أو توعية الآخرين في أهمية المواقف والظروف في حياة الإنسان، ويدرك في الوقت نفسه في حال فشله وعدم تقدمه أن هناك معنى آخر سيتعلم منه ويعتبر له، أو أن يزيد من جهده ليتعرف على موطن الخلل فيصلحه، أو يدرك حقيقة أن فشله هنا يعني أن نجاحه في مكان آخر، أو بطريقة أخرى، أي لا يستسلم وييأس، بل يتعلم أنه في مرحلة وعي صاعدة ومتطورة، تحتاج إلى الوقت؛ لكي تنضج وتتضح صورتها.
الواعي لا يتذمر من قبح الأشياء ولا ينخدع ويتكبر من تفوقه ونجاحه، هنا سيدرك المعنى الحقيقي في هدايا الله العظيمة، فهي المعلم الذي يتعلم منه من دون وسيط، أو شرح، أو مساعده، ولكي يصل كل فرد منا لذلك، نحتاج إلى البصيرة والنظر للأمور بعمق، من دون إصدار أحكام مجازفة، أو نبرر ضعفنا ويأسنا على الظروف أو المواقف بسخط و تذمر؛ لأن هذا لن يفيدنا، بل يجعل دائرة السلبية تكبر وتجلب لنا مزيداً من الضعف والهموم و الفشل.
الوعي أن ندرك أن كل شيء يحدث في حياتنا هي دروس لنا، تصقل شخصيتنا وتجعلنا باحثين في أعماق الحقيقة في كل موقف، تهذب أنفسنا وتصحح المسار في حياتنا، لذا أحياناً نشاهد أشخاصاً في الحياة لا يتعلمون من النصيحة، ولا يستمعون إلى كلام أحد، ويستمرون في عصيانهم وسلبيتهم، لكنهم يتعلمون جيداً من مواقف وظروف الحياة، وتجبرهم على أن يتوقفوا ليتأملوا حالهم، ولما يمرون بهذه الظروف، ما هو الدرس الذي يتعلمون منه؟ ماذا عليهم أن يفعلوا لكي يتغيروا؟
يأتي دور القبول والتسليم بكل ما يمر في الحياة والانحناء وقت العاصفة قليلاً، فلا شيء يدوم على حال، من سنن الكون الحركة والتغير، وهناك فرق بين التسليم -كما قلنا- وبين الاستلام، وهو رديف للضعف والخنوع، لذا هدايا الله عظيمة وعميقة، نقبلها برضا تام، ونعمل ونجتهد بأن نكون أفضل وأجمل.
