الرئيسية » «العسكري والرعوي».. حكاية تتكرر!!

«العسكري والرعوي».. حكاية تتكرر!!

1908403_1500282330111519_6439296424233023521_nغُصت في أعماق الذاكرة الشعبيـة المُختزلة لمساحات شتى من الوجع، من القهـر، من الحـرمـان، توقفت مليـاً عند فـصـولها الكئيبة، المسكونـة بالخـوف، المشبعـة بالظلم، هالتـني، أفـزعتني، جعلتني أقرأ التاريخ بصورة مُختلفـة، ولأني مفتُـون باسترجاع الماضي، ترجمـت ذلك «البوح الدارج» إلى سطـور مُستساغة تحفظها الأيام.

التغيير إلى الأفضل كـان وما زال حلـمٌ يراود الجميـع، وحين أراد أبناء جبل صبر إبان عهد الأئمة البائد عزل عامل لهم، تحقق لهم ذلك، ليس لأنهم طالبوا… بل لأن ذلك العامـل بالفعل فاسد وغير أمين في ايصال الجبايات الى المقـام الشريف؛ لتتحول حياة أبناء الجبـل بعد ذلك التغيير المشـؤوم إلى جحيم، ليس لجـرم اقترفوه، بل لأنهم تجـرأوا وطالبـوا بالتغييـر.

انتقم الإمام أحمد من أبناء صبـر شر انتقــام، وارسل اليهم ثلاثة آلاف «عُكفي» جلهـم من همـدان، وكـان صعــود غالبيتهم إلى الجبل في ليلة شديدة الظلم والظلام، اجتاح الرعب الجبل من أخمص قدميـه حتى ذروة رأسه، وممـا زاد من حدته مرور ذلك الجيش بخطوات جافة مروعة، وافراده «المجاهدون – أنصار الله» ينفخون «البورزان» وكأنهم متجهين إلى معركة النصر فيها محسـوم منذ البداية، يرددون زوامل حرب شنيعة، منها:
«يا من يخالف أمر مولانا ويعصيه
لا بد من يوم تراه
لا بد من يوم يشيب الطفل فيه
والطير يرسي في سماه»
عاش أبناء الجبل تلك اللحظات الفاجعة بفزع شديد، سارع البعض منهم إلى إخلاء المنازل، ورحلوا لاجئيين إلى عدد من القرى البعيدة، وإلى الجبال والشعاب المجاورة.

«كان عسكري واحد كفيلاً بإجلاء قرية.. فما بالك بجيش أوله هنا وآخره هناااااك» قالها أحد من قرروا البقاء، ثم استذكر مرور بعض اولئك العسكر وسط قريته في تلك الليلة الدهماء، ويضيف بعد أن لمعت ثناياه بابتسامة خفيفة: لقد أجبرونا على أن نأتيهم بطعام، وكان كل بيت في المنطقـة ملـزماً بـأن يحضر «دجاجة وفطير – خُبز حامي- وجمنة سمن»، فاشتعلت «الأفران الحطبية» في غير موعدها، في حالة شاذة لم تحصل من قبل ولا من بعد، أما نساء القرية ليلتها فقد كانت معاناتهن أشد ضراوة، أنهكهن التعب والإرهاق، ونُمن نوما خفيفا في انتظار بزوغ الفجر القريب.
وكن يرددن:
«واضرب دلا وابورزان واكلب
واضرب دلا طارت حمامة القلب»
«والعسكري أقبل والركوب بالعجش
يشتي العشاء دجي واجرته قِرش»

قرية «الرباط» المجاورة لقريتي خيم فيها بعض اولئك العسكر لمدة شهر كامل، أغضبوا الجميع بـ «عنجهيتهم»، وأوامرهم التي لا تنتهي، واستباحة كل ما صادفهم من مواشي وزروع، وكانوا يذهبون إلى المراعي ويختارون أحسن الخرفان يذبحونها ويطبخونها بأيديهم، وكان اللحم أكلهم في الليل والنهار.
ومن شدة نهمهم كانوا يأكلون أوراق «المَرَاور» وهي نبتة مُرة المذاق تشبه «الجرجير»، تجعل من يتذوقها يتقيأ سريعاً، وبعد أن يفرغوا ما بمعدهم يعودوا لتناول اللحم مرة أخرى، وهكذا دواليك.

ومن المشاهد التي تختزنها ذاكرة احدى النساء، مشهد اقتحام أحد «العُكفة» لمطبخهم أمام والدها وإخراجها وأمها منه، والتهامه لطعام غدائهم كاملاً، حتى «جمنة» السمن أخرجها من مخبئها وسكب أغلب ما بها على طعامه، وبعد أن شبع قام وصب جزءاً منها فوق شعر رأسه الكث والمقزز، وقد سالت فوق وجهه إلى باقي جسده، ونظف بالباقي بندقيته الصدأة.

«عُكفي» آخر رأى إحدى النساء تـُعد السمن البلدي وتملأ بها الأواني الفارغة، أخذ على الفور«جمنة السمن» النائحة وأفرغها كاملة في فمه؛ ما هي إلا لحظات حتى خرج ذلك الأحمق إلى سطح المنزل يشرب القهوة وسط أشعة الشمس الحارقة؛ فخرجت السمن من «مؤخرته» في مشهد أضحك الجميع؛ ولكنه ضحك كالبكاء!!.

صادف وأن خيم أحد أولئك «العُكفة» في أحد المنازل، التهم في البدء كل الدجاج في ذلك البيت والبيوت المجاورة، ثم توجه صوب دجاج القرية، ومن بعدها العزلة، وكان يأخذ الدجاج من الطرقات بدون علم أصحابها، وبعصاه العريضة كان يضرب الدجاجة فوق رأسها، ولا يعود بها إلى حيث يقطن إلا فاقدة الوعي أو ميتة؛ بعد فترة وجيزة احتاط الناس وأرسلوا دجاجاتهم إلى القرى المجاورة، ولم تأمن دجاج المنطقة العيش بسلام إلا بانتهاء مأمورية ذلك «العُكفي» الثعلب.

قبل أن يلفظ ذلك النظام البائد أنفاسه الأخيرة، اختلف أحد مواطني قرية «الخضارب» وهي أيضاً مجاورة لقريتي، مع أحد «العُكفة»، تطور الخلاف إلى اشتباك بالأيدي والأقدام، لينتصر في النهاية ذاك المواطن «الغلبان»، بعد أن سارع إلى نجدته أقارب له صغار، فما كان من العسكري «المَغلوب» إلا أن رمى جنبيته المهترئة وبندقيته «الميزر» إلى مكان الحادث، وهرول ناجياً بروحه إلى مقر عامل صبر في «دار النصر» كي ينتصر له.

رفع العامل الجديد عريضة طويلة إلى الإمام أحمد، شرح فيها تفاصيل ما جرى، وبصورة مبالغ فيها، وكان الإنصاف الظالم بأن أرسل الأخير «25» من عساكر القصر الأشداء، مُدججين بأسلحتهم وعتادهم، ليس لتأديب ذلك المواطن بل لتأديب المنطقة بكاملها؛ وقد بادر «العُكفة» من اليوم الأول باعتقال شقيقا المواطن «الضارب» بعد أن هرب هذا الأخير إلى عدن، ولم يخرج الأول من السجن إلا إلى المقبرة، فيما بقي الثاني رهينة في دهاليز الأسر حتى انبلاج فجر الثورة السبتمبرية.

«العسكري والرعوي» حكايا سوداء تناثرت فصولها في ربوع اليمن الأخضر، أقصد «الاسفل»، تتشابه تتكرر، ورغم أنه ما زال في جعبتي الكثير، اكتفي بما ذكرت من ذلك الوجع الطويل، وحصره «زماناً ومكاناً» بعيداً عن التوسع الذي يصيب المُطلع بالملل.
وغرضي في الأول والأخير هو التذكير فقط، خاصة وثمة أحداث مُتصلة ابتدأ فيها بعض العبيد من فصيلة «الرعوي» يحنون لزمان الذل والهوان وتقبيل الركب، فيما «العسكري» البليد حنَّ هو الآخر لطبعه القديم، كأداة للانتقام والتشفي، سواء باسم السيد أو الزعيم.

تصفح ايضاً

يمنا واحد مهما علاء صوت المرجفين وارتفع

ادارة النشر

يتحاربون ونحن نعزف في الظل

Mohammad Amin

يبثُّ سُمّه حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة!

ادارة النشر

يامـُـــدَّعي حُــــــبَّ الوطن

ادارة النشر

ياالله مالنا غيرك يا الله

Mohammad Amin

يا له من كابوس

مروان الغفوري