الرئيسية » ماوراء الوجع

ماوراء الوجع

10155788_739156079472905_8860503835521566392_n

بلقيس العبدلي

منذ شهر وأنا الحظها تقف في وسط الشارع الاسفلتي ترقب المركبات ذهاباً وإياباً بروح مرحة وبعيون حذرة تبادرك القول : صباح الخير وتلوح بيدها قبل ان تضيف الله يعينكم .

كانت تلك الفتاة التي لم تتجاوز ربيعها العشرين تقف منذ الصباح الباكر وحتى مابعد الظهيرة متحملة تقلبات الطقس لا يحجبها برد الشتاء ولا حرارة الشمس  عن مكان تقف فيه منذ شهور .

وفي صباح شتوي ماطر ينخر فيه البرد أوجاعنا قبل أرواحنا تسألت في نفسي هل من الممكن ان أراها تقف هناك لكني عدت وقلت  لا لا يمكن يبدو المطر غزيراً هذا الصباح!

وكانت  المفاجئة اني رأيتها تقف في نفس مكانها  بين كراتين الماء وبجسدها النحيل ويديها المرتعشتين تقاوم المطر المنهمر وتصبح على الجميع لتزاول عملها  المعتاد !!

قررت أن أسألها لما هي تبيع الماء ؟ ولمن تبيعه ؟  وأين أهلها ؟؟

أجابتني بصوت يسبقه الوجع (أني نازحة يا أستاذة … وأني أكبر أخوتي وأمي إمرأة لا حول لها ولا قوة وأبي رجل فقير يعمل سائق لدراجة نارية ويعاني من مرض نفسي لو شفتيه لرحمتي حاله ).

قالت لي (كنا مستورين وبمجرد ان نزحنا من تعز ذقنا الويل وأضافت بلهجتها التعزية البسيطة

(أني أشقي على أسرتي عشان ما نشحت من أحد ولا نكذب على أحد والحمد لله ماشية )

ودعتها بائعة الماء من أجل الحياة وأظنها توفر أبسط مقوماتها لأسرة من ملايين الأسر اليمنية التي انهكها النزوح وسلب منها القدرة على العيش مقابل ان لا يسلب الموت وبائعيه عزيز عليهم .

تركوا منازلهم فراراً من حرب ضروس وفي مناطق النزوح التي أضحت مكتضة بهم وبغيرهم من السكان الأصليين  قلت مصادر الرزق بعد ان فقدوا أعمالهم في مدينة ينتمي جل ساكنيها الى الطبقة المتوسطة.

هي تعز مدينة الحب والسلام  أضحى نازحيها يتنقلون مابين مديرية ومديرية ومابين مدينة وأخرى بحثاً عن مأوى يعصمهم من الموت ويمنحهم فرصة عمل تمنحهم أبسط مقومات الحياة .

وبعيداً عن أي شهائد خبرة أو درجات علمية بدأوا  يمارسون  كل ما يمكن من المهن والأعمال تشبثاً  بالحياة وبحثاً عنها .

قصة من مئات القصص التي لا يمكن لكلمات ان تصف معاناة أصحابها بالأخص النساء اللواتي كنا يعانين من غياب أبسط الحقوق ويكافحن من أجل الحصول عليها في زمن السلم ليأتي زمن الحرب ويسلبهن كل شيء حتى الحق في مأوى آمن وفي لقمة عيش نظيفة لتتحمل النساء تبعات هذه الحرب وكوارثها الإنسانية مثلها مثل الرجل أو لربما أكثر قليلاً وتظل حفيدة بلقيس وأروى تقف بشجاعة لتواجه آلة الموت بالتفنن في  صناعة الحياة ولو على مستوى أسرتها الصغيرة تتحمل أسوء الظروف  الاقتصادية والصحية والاجتماعية وتشارك في البحث عن سبل للعيش  وعينيها تتطلع الى مساكن بُنيت بعرق اهلها وذويها وبصبرها وحنكتها دون حتى ان تستطيع العودة اليها لإحضار ملابسها أوملابس أطفالها فلم يعد امامها سوى ان تبرر كل أوجاعها واحتياجاتها  وكل معاناتها وأسرتها  لتختصرها في كلمة واحدة (أنا نازحة ).

تصفح ايضاً

يمنا واحد مهما علاء صوت المرجفين وارتفع

ادارة النشر

يتحاربون ونحن نعزف في الظل

Mohammad Amin

يبثُّ سُمّه حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة!

ادارة النشر

يامـُـــدَّعي حُــــــبَّ الوطن

ادارة النشر

ياالله مالنا غيرك يا الله

Mohammad Amin

يا له من كابوس

مروان الغفوري