_فاطمة الشيدى *
في البدء قد يتساءل البعض هل من الجائز لنا الحديث عن الأمل، أو عمّن يصنع الأمل، في هذا الوقت بالذات؟ زمن انعدام الثقة في الفكر والثقافة، والحكومات والإنسان، زمن الموت المجاني، والإعلام الرديء، والقبح المنتشر، والعنجهية المرضيّة، زمن صناعة العنف من كل حدب وصوب؛ من البيت حيث يتخذ بعض الآباء العنف وسيلة للتربية، وقد بتنا نسمع اليوم عن قتل بعض الآباء لأطفالهم، وفي المدرسة حيث الكثير من المربين للأسف يحتاجون لدروس في التربية سلفا؟ حتى المسجد الذي يعلو فيه صوت رجال الدين بالويل والثبور وقليلا ما يذكرون الرحمة والمغفرة، فوسائل الإعلام التقليدية والرقمية التي باتت تنعق بالخراب والموت في كل لحظة، فتنقل لنا أبشع الجرائم بدم بارد، ولذا فلا عجب أن تتكاثر جرائم القتل والاعتداء في كل مكان، لأن البشر اعتادوا العنف والقتل والموت، وأصبح مألوفا ولكأنه الحال الطبيعي، حتى ليتساءل المرء برعب وحرقة عن الغد، وعن مستقبل الأطفال بعد ذاكرة البشاعة الموت التي عاشوا فيها في هذا العصر.
هل يحق لنا الحديث عن الأمل الذي أصبح غصة في الروح، وحرقة في النفس، وأصبح الحديث عنه بابا من الهرطقة أو المجاز؟ الأمل الذي يساوي الوعي الحقيقي بالوجود وبالإنسان. وهذا مما ليس جوهريا في محيط الإنسان العربي المشغول بالمظاهر والقشور في كل شيء من الدين حتى السياسة وبينهما الحياة التي يعيشها الإنسان خارج أدنى مستويات التفكير؟ وليس أدل على ذلك من تعاطي معظم الناس مع شهر رمضان المبارك، ومفهومهم الناقص حول العبادة، ففي بداية الشهر كتبت في صفحتي على فيسبوك أن القراءة حياة، خاصة في رمضان مع الوقت الفائض، ولفتني تعليق أحدهم «طبعا قراءة القرآن». كنت أريد أن أقول له، بل وقراءة الكتب أيضا، كل الكتب المتاحة، فرمضان شهر العبادة، والعبادة هي الإحسان، الإحسان للذات بمنحها اتساعا رؤيويا، ووعيا إنسانيا، باستغلال الوقت فيما يفيدها، وللإنسان بمبادرات آخرها الطعام، الذي لن تجد مبادرات للخير في رمضان خارجه، كالخيم الرمضانية المنتشرة في كل مكان. فرمضان بالنسبة للكثيرين شهر طعام تفيض به البيوت، وحاويات القمامة لاحقا، في مخالفة تامة لهدف الصيام، وفي تناسٍ تام للجياع حول العالم ممن تطحنهم الحروب أو المجاعات. كنت أريد أن أقول له، أن المبادرات النافعة الأولى في رمضان هي ندوات القراءة، ومسابقات الرياضة، والتوعية في كل مجالات الحياة لاستغلال أوقات رمضان الفائضة بالمفيد والممتع معا والمتقبل من الله، الله الذي في كل وقت، وفي كل مكان، الله الذي حصروا التقرب إليه بالأدعية والابتهالات التي تصبح «موضة» وسائل التواصل كل رمضان. كنت أريد أن أقول له كما قال كزنتزاكيس: «لا يجدي البحث عن الله في بيوت العبادة، وقد أضعناه في قلوبنا». ولكني صمتّ، لأن الكثير من الحوارات مع وعي مغلق باتجاه فكرة جاهزة ليست أكثر من جدل عقيم.
ولكن مع كل هذا نعم، يمكننا الحديث عن الأمل، بل يجب الحديث عنه، لأنه الرصيد الوحيد المتبقي لنا، والضوء البعيد في آخر النفق، الذي علينا أن نؤمن به ونتبعه، فصناعة الأمل في عالمنا العربي تمثل اليوم التحدي الحقيقي للإنسان على المستوى الفردي قبل الجمعي لصناعة التغيير الممكن، إنه الانتصار للخير على الشر، وللجمال على القبح، وللين على العنف، وللحب على الكراهية، وللتواضع على الكبر، وللعطاء على المنع، وللإنسان على كل شيء.
الأمل الذي يمدنا بالطاقة على الاستمرار، وبالثقة في أن هناك دائما من يصنع الأمل في كل زمان ومكان، أولئك الذين يبذرون الخير بصمت وهدوء، ومثابرة، كالأمهات والآباء الذين يجعلون أعمارهم شموعا لأطفالهم لخلق جيل جديد أجمل، والمربين المؤمنين بالتغيير عبر طلابهم، والمثقف الذي لا يكل ولا يمل من الدعوة للتغيير مهما كان الثمن غاليا، والشعراء الذي يدفئون حياتنا بحطب القصائد المفعمة بالحب والأمل، والمفكرين الذين يفككون الفكرة ويحاورونها بمنطق لندرك قيمتها سلبا أو إيجابا، والكتاب والإعلاميين المؤمنين بقيمة الكلمة في التغيير، والعمال الذين يجمّلون حياتنا بما يؤثثون به تفاصيلنا اليومية في الظل بلا رغبة في الظهور. كل واحد من هؤلاء هو رسول للأمل، وسيجد المؤمنين برسالته يوما ما، وسيكثرون ويتكاثرون ليكون التغيير الجوهري الذي ننتظره هو الحصاد، وليصبح كل فرد منا رسولا للأمل في محيطه بطريقته وأدواته وقدراته.
وإذ كان هناك من شاهد حقيقي، ومثال لرسل الأمل، فهو أحمد الشقيري، الشاب الذي قرر أن يحمل رسالة الأمل، ويبلغها بكل مصداقية وإصرار للعالم العربي أجمع بلا تفرقة أو تمييز، ليقول لنا ببساطة أنه يمكنك البدء من أي نقطة في الزمان والمكان والعمر والقوة، وبأية إمكانات متاحة مهما كانت بساطتها لتذهب نحو صناعة التغيير وخدمة الكون والإنسان.
إنه ليس خارقا ولا سياسيا، ولا ثريا، ولا ثوريا، هو فقط مؤمن بالأمل، لم يضع يده في جيبه ليتفرج، أو يدفن رأسه في التراب، أو يتذمر في مكانه مثل أغلبنا، بل انطلق بخفة طائر نحو التغيير، محمّلا بإيمان راسخ برب الإحسان والبر والخير والجمال، وبالإنسان الذي مهما كثر تخريبه في الكون إلا أنه هو خليفة الله الذي عمّر الأرض، ولذا ما فتئ يقدّم الحلول، ويخترع أسباب التغيير، ويفعّل دور الشباب بثبات وبمسؤولية إنسانية، بل وبعصرنة رائعة تناسب سرعة العصر وسرعة إنسانه وكائناته الرقمية الجديدة التي لم يعد يناسبها الوعظ والتلقين، والهتاف والصراخ من المنابر. وعبر سنوات طويلة وبلا كلل ولا ملل يأتي الشقيري (المسلم الحقيقي) كل رمضان ليقدّم لنا صورة ناصعة للإسلام ولحقيقته العميقة وليست الشكلانية القشرية التي تتشبث بها الأغلبية مهملين الجوهري والراسخ منه، وصورة للمسلم الحقيقي بقيمه ووعيه ونبله، يأتي عبر برنامج توعوي رفيع الهدف والغاية ليطرق كل موضوعات حياتنا وتعقيداتها، بوسائل جديدة ومبتكرة كل عام، لتنشيط إنسانيتنا، وتنبيه غفلتنا، وتذكير نسياننا بدورنا في هذه الحياة، بالتغيير الواجب علينا عبر الخير والإحسان وبأقل ما يمكننا من جهد لنليق بإنسانيتنا، وبغاية وجودنا على هذه الأرض. وهو بذلك يعيد القليل من الهدوء والثبات لاهتزاز العالم حولنا، ويعدّل قليلا الصورة المتداعية أمامنا، ويرتق الشرخ الذي يكبر داخلنا كل يوم بالقليل من الصبر والأمل.
أما الوسيلة الأبلغ والأنجع والأوسع لتبليغ رسائل الأمل (في مجتمع لا يقرأ، بل وتعد الأمية أكبر داء يحد من حركته ونهوضه) فهي الإعلام الهادف، إذ يشكل هذا الإعلام القيمة الأكثر إلحاحا وضرورة للإنسان العربي أمام التحديات الكونية الداخلية والخارجية، فهو يضع إصبعه على الجرح، ويستشعر الألم، ويحلّل الجاهز، ويخلخل الجامد، ويغير السائد، ويجدد الآسن، ويفسّر الداء، ويقترح الدواء. وبذلك يحدث التغيير عبر أحدث الوسائل العصرية السهلة والجاذبة والصادقة. وبذلك يربي ويعلّم بهدوء ويسر بعيدا عن الثغاء والنهيق المنتشر، والاستعراضات البهلوانية، والجعجعة التي لا تخلف طحنا.
إن برامج مثل «قمرة»، و«مدارك»، و«الصدمة» هي ما نحتاج إليه، إنها تمثل الإعلام الرصين الذي يحفّز الهمم، ويبحث عن القدرات الكامنة فيستنهضها، وعن الطاقات الخاملة فيشجعها، وعن المشكل من المسائل فيحللها ويحلحلها. إنه الذي نحتاج إليه، ويجب صناعته وتقديمه بكل الوسائل الممكنة والقنوات المتاحة سواء التقليدية أو الرقمية، فهو الإعلام الذي يربّي الأمل.
أخيرا..»ألست طوباويا لتقول: لابد للشر أن يرضخ في الأخير إلى قوة الخير المطلقة والبطيئة والأكيدة؟ لو لم يكن هذا القانون الغريب هو الذي يقود مصير الانسانية لانهزمت الروح أمام المادة واختنقت الحرية والسلام بالخوف الأكبر».. هكذا قال كزنتزاكيس، في مناجيات الكاتبة العراقية لطفيّة الدليمي له، التي هو وهي من رسل الأمل
_كاتبة عمانية _ نقلا عن صحيفة القدس العربي

