أهــرب يا عــلي !
كتب * ســام الغـُـباري
– بلى .. اهرب ! ، أنت لست منهم ، ولا تشبههم !، لست “قرشياً” ، أنت من “ذمار” ! ، بلاد الساخرين والأشقياء ، هل قرأت التاريخ .. تاريخهم ! ، أئمتهم الغابرون حملوا لواء الدين كوسيلة للحكم، وأدخلوا أجدادنا في كهوف الجهل والدمار والقتل والبغضاء والفقر ، كان ابن الإمام يخرج على أبيه فيتقابل جدي وجدك لقتال بعضهما ، وهما صديقان .. متجاوران في القرى ، ومتحدان في البؤس ، لم يسألا عن سبب وجودهما هناك على أرض المعارك العبثية ، و لمَ يقتل أحدهما الآخر بلا جريرة ، بلا حق .. إلا حق “الولاية” المحرمة على الفلاحين ! ، لقد أباد “عبدالله بن حمزه” فرقة “المطرفية” المذهبية ، ذبح صغيرهم وكبيرهم ، شيخهم وشبابهم ، نساءهم وأطفالهم .. لأنهم تنازلوا عن مزاعم الولاية في “البطنين” ، وأجازوا إمكانية أن يصل “الفلاح” إلى رأس السلطة ! .
– ما زلنا عبيداً يا “علي” .. “قريش” تفعل ذلك مرة أخرى ، وستفعلها مرات ومرات إن لم ننكرها ونقيم دولتنا ونبتعد عنها وعن فقهائها ، لقد استعمرونا يا “علي” . هدموا قصر “غمدان” الشاهد على حضارة “صنعاء” كي لا يكون لنا شأن ! ، يقحموننا في خلاف عائلي ليس لنا شأن فيه ، عائلتان من “قريش” اقتتلوا على السيادة ، قالت عائلة الأول : الخلافة قرشية ، فأوصدوا باب السقيفة على اليمنيين “الأنصار” ووعدوهم بالوزارات التي لم تنشأ ، فيما قالت عائلة الثاني : الولاية في البطنين ، وكانوا يقصدون عائلتهم فقط ، بعد أعوام طويلة . قتل “يزيد” حُسيناً ثأراً ليوم “بدر” وخوفاً على كرسيه الفاسق من الوصول إلى يد الشهيد العظيم ، كانت جريمة نكراء لكنني الآن و بعد ألف وأربعمائة عام لست مسؤولاً عن تداعياتها ولا عن ضرورة الوقوف مع عائلة “الحسين” للثأر من “يزيد” ، ما شأننا أنا وأنت ؟ . أنا أسألك يا “علي” فأجبني ! ، لم نكن قرشيين ، ولا ننتمي لصحرائهم وجبالهم ، وإذا عُدت لشجرة عائلتيهما ستجد أنهما أبناء عمومة ، من لحم و دم .
– لقد انتهت حرب “البسوس” بوفاة “الزير” ، هكذا نحن الفلاحين والعشائريين . يموت المحرض فتنتهي الأحقاد وتبرد النفوس وتعود السيوف إلى أغمادها ، أما هؤلاء فلم تنته حربهم منذ أربعة عشر قرناً ، مازالوا يتاجرون بعقولنا ويخدروننا بنصوص الدين الذي ربطنا بهم ، وهو رباط عبادة وتوحيد لله سبحانه ، و تحسين للسلوك والخـُـلق والمعاملات ، وقد كنا أهل كتاب ، أرسل النبي صلوات الله عليه رسوله إلينا فآمنا ، و بعد إتمام “معاذ بن جبل” تعليمنا فرائض ومحددات الدين الجديد . عاد إلى قريش ، وبقي “باذان” -كما هو- والياً علينا ، لم يرسل إلينا “أبو عادل” أو “أبو حمزة” أو “أبو يحيى” ليتولى أمرنا وقيادتنا كما يفعل “الحوثي” مع المحافظات الذليلة التي سقطت بيد مليشياته فأرسل إليها من يدير شؤونها – اغتصاباً – من منطقته “صعدة” .
– لقد كانت رسالة نبينا الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام واضحة ، أن أسلموا لله ، وليس لقريش التي ضمتنا – قسراً – لولايتها السياسية والإدارية ، و لما اعترض ثائرونا قتلوهم بجيش جرار كان يحقق وحدة النظام الجديد الذي بدأ تعريفه بإسم “الخلافة” وهو نظام لا يرتبط بالإسلام كدين بل بالخليفة كرجل سياسي وقائد جديد .
– اهرب يا “عــلي” إلى حيث تكون الدولة المدنية الحقيقية ، إلى الحـُلم الذي تمنيته و تبخر رغماً عنك ، وقد كنت مسؤولاً عن ضياعه بيديك التي اكتسبت بهما إثم تلميع رجال الدين ، واعتبارهم حمائم سلام ودعاة حرية ، و أنت – كما تزعم – باحث في علم الاجتماع ، تقصيت واقعنا وحياتنا ، تحدثت بالفعل المضارع و نسيت فعل الماضين من قبلك ، تجاهلت العابرين من تاريخ المظالم السوداء ، تحاشيت استذكار مواقع أسلافك الطيبين وهم يساقون مع أسلافي إلى حرب تقرير مصير “الولاية” ، كانوا ساذجين ، و يجب أن لا نكرر تلك المجازر الرهيبة التي نسجوها من دمائنا واستقرارنا وحياتنا وحضارتنا ، يجب أن تبتعد عنهم يا “علي” ، لن يقبلوك مهما فعلت ، وكنت أتمنى أن تسأل “سيدهم” الذي قرنت نجاحك في جماعته بولائك له ، وليس للأهداف والقيمة ، للفكرة التي لم تكن موجودة فاضطروا معها إلى ابتداع مسمى “المسيرة القرآنية” ، كجرعة أفيون يخدرون بها الجاهلين والفلاحين وأنصاف المتعلمين ليقودوهم مرة أخرى إلى عذاب الصراع ، ولن يفلحوا .. هكذا يقول التاريخ ، اسأله وقل له كم ضحايا أسلافك المتخلفين ؟ لن يجيبك يا “علي” ! ، لقد مات في حرب استرداد الملكية في اليمن الشمالي بُـعيد انقلاب (26 سبتمبر 1962م) خلال ثمان سنوات حتى عام المصالحة في 1970م مائة وخمسون ألف يمني ، وفي نهاية الحروب الأهلية غادرت أسرة الإمام المخلوع للعيش في “السعودية” كأمراء ، وبقي المراهقون المنتصرون هنا يلعقون دماء ضحاياهم ويستأنفون الصراع والموت ويمارسون الخيانات والعمالة ويقاتل بعضهم بعضا على الكرسي الملعون .
– عليك أن تعي يا “علي” أن الذين وقفت أمامهم لمنعهم من اقتحام منزل زوجة الشيخ الفار “حميد الأحمر” هم جماعتك ، أنصارك ، وتلك لم تكن الحادثة المخجلة الأولى ، بل سبقها الكثير والكثير ، إلا أنك لم تتأثر لما حدث ، لأنك كنت بعيداً ، لم تخجل مما اقترفه أصحابك في مناطق التمدد الجغرافي الغاضب والغاصب بعد نشوة سقوط “صنعاء” وقبلها في “عمران” ، لقد رأيتهم في “قناة سهيل” كيف أصبحوا جبارين وضربوا بحلمك المدني عرض الشعار المكتوب بلغة الكراهية المعادية للإنسانية والأحلام . في العاصمة صنعاء وحدها قـُـتل “733” شخصاً ، وأصيب “930” آخرون ، وفي مدينتك ومدينتي “ذمار” اجتاحوا المؤسسات والجامعات و أغلقوا شارع المدينة الكبير ، تعاملوا كالتتار و خرج “القرشيون” من جحورهم يحثوننا على الموت ثأراً لـدم “الحسين” ، وحين سألتهم : أين قاتله ؟ تعلثموا وقالوا لي بصوت خفيض : لقد مات قبل خمسمائة ألف يوم !!
– هل ترى .. هي أشياء لا تشترى ! ، هذا المنطق الثأري الغبي لا يمكنه الاستقامة والاستمرار ، إنه انتحار حقيقي لكل معالم وإرشادات الدولة المدنية ، هذه الجماعة الخارجة لتوها من كهف التاريخ وجدتك صدفة على طريقها و صافحتك وكنت تأمل أن تقيم عليها معجزة التحول وتنفخ فيهم الروح، إلا أنهم كانوا ميتين ، عليك أن تعترف بذلك ولا تكابر ، لقد ماتوا يوم مات “الحسين” عليه السلام ، وهم الآن مخلوقات أخرى ، كائنات ليس لها علاقة بالبشرية وسننها ، لا ترتبط بالروح العظيمة لمسيرة القرآن الكريم ، لهم دستورهم ومنطقهم وكراهيتهم التي يستعيدونها كل صلاة بالبكاء على السبط الشهيد ، وعلى “قريش” الأخرى التي حرمتهم حق “الولاية ، فرفعوا قميص “الحسين” كما رفع “معاوية” قميص “عثمان” .. إنهم يشبهون بعضهم وإن أنكروا ، ونحن لا نشبههم ولسنا منهم ، إننا وقود ، حطب على نار مُـلكهم ونار جهنم أيضاً .
– يا “علي البخيتي” .. قريش الجديدة التي تسمى “صعدة” ستقتلك ، لأنك أدنت ممارساتها وهي الآن لا تعرف بمَ تجيب عليك ؟ ليس لديها رد أو إجابة سوى سلاح مليشياتها التي ستحاول إسكاتك بأي طريقة كما أسكتت “عبهلة العنسي” منذ قرون طويلة ، وشوهت تاريخه وحرّفت مطالبه وكفـّرت مقاصده ، و لقبته بـ “الأسود” رغم أنه كان جميلاً جداً ، بل أجمل منهم جميعاً .
.. وإلى لقاء يتجدد
من صفحة الكاتب بالفيسبوك
