يصل بالفضول من الحرقة والألم لحال امتنا الى الحكم عليها بالموت فهو يحكم عليه بالموت من يوم أن مات فيها الرفض والتحدي والمواجهة.
هناك محطات ابداعية في الفيروزة تجبرك أن تتوقف عندها.. لذا فقد استغرق وقت قراءة هذه الفيروزة الفضولية وقتاً كبيراً فعند كل محطة من هذه المحطات تخرج بألف عبارة عجز وملخص يحوي تجربة انسانية في الوصول الى الغاية النبيلة التي جهلها البعض فهي غاية الانسان في الارتقاء بفكره وثقافته ومستواه.
وتجاوز كل العقبات التي هي المحك الحقيقي للابداع والنجاح.
وهذا ماكنت أتزود به في كل محطة فيروزية.
فخطاب العاطفة والحب الانساني العفيف الذي جسده الفضول في واقعه كان يعكس لنا الروح المرهفة التي يحملها الفضول في جسده وهي روح محبة للجمال وللصدق والوفاء والذي كان السمة الرئيسة التي في قصته الحب التي عاشها الفضول.. فالمرأة كانت هي الفضول الملهمة.
ويلاحظ الخطاب العاطفي في الفيروزة والذي يشرح منية الفضول نفسه
ويلخص تكوينه وحسه العاطفي الراقي.
ففي قصيدة «اغنيات الشمس» نلاحظ ذلك:
ليس في روحي دجنات ولا
سرت في الايام سرداباً حفياً..
كل اعماقي وضوح
وجوانب نفسي
تلبس الاشراق زيا
وهو الحب الذي هندسني
تحت هذا الضوءانساناً سويا
كم عشقت نفسي بنفسي
والشذا العبق والظل النديا
وشبابي كان عرشاً للهوى
لم اعش فيه من الحب خليا
واصيل العمر لن امضي على
دربة الا لاحبابي وفيا
وضحوكاً مثل وجه الفجر.
لا تطرح الايام في وجهي عشيا
هكذا تتضح الصورة الوجدانية التي هي موجز دقيق للحالة العاطفية التي عاشها الفضول ومن يتأمل في الأبيات السابقة يجد أن الفضول يعلل اسباب وضوحه وشفافيته وصفاء سديريته وصدق شاعريته الى ذلك الحب الذي هندس شخصيته وجعل منه انساناً سوياً لايعرف طريق الخطيئة ولا تستهويه بها ريح الظلال فمن يهندس الحب شخصه فمعنى ذلك انه انسان قيمي.
الهم القومي في شعر الفضول:ا
الهم القومي الذي جسده الفضول في شعره يضع القارئ في موقف غاية في التأثير فالفضول ومن خلال مسيرته الانسانية في العمل الثوري والادبي والسياسي فقد شغل وزيراً للاعلام لكن ليس لدي معلومة في اي عام بالتحديد وفي خضم هذه السيرة الانسانية وكمواطن عربي غيور يتألم لكل ما يحدث لامته.
ويحس بأنينها ويتتبع بحدس شاعري ذلك السقوط والانكسار الذي تعيشه أمتنا منذ 48م وحتى الآن وهو كغيره يتجرع تلك المرارة.. مرارة الهزيمة والخضوع.
والفضول كما عرف عنه كاتب وشاعر قومي كتب الكثير من القصائد الوطنية والقومية والمقالات اللاذعة ذات الاتجاه الاشكالي الساخر الذي تطرق فيها لقضايا الامة العربية وما آلات اليه.
ونهجه الكتابي ومنذ تأسيسه لصحيفة الفضول في عدن وهو ينتهج هذا الاسلوب الكتابي في التطرق لهموم الشارع والناس بكل ساخر مؤثر ولاذع ويمثل قلمه الذي لايخيفه مقص الرقابة وهمهمات المرجفين.
فقد اختط لنفسه هذا المسار ومنذ ان بدأ هذه المهنة مهنة المتاعب والى ان وافته منية الله.
والفضول حين يعالج أية قضية قومية نجد أنفعالاً نابعاً من ضمير عربي حي يتوقد ألم ووضوح هذا الانفعال الممزوج والمرارة لواقع الحال لايحتاج الى تفسير وليس فيه غموض انشائي او مرارة ابداً ويتضح لك في
قصيدة «عرباً كنا»
عرباً كنا وقد متنا على
بعضنا بعضاً وناءات وبغضا
هكذا سار بنا القبح
الى طرق الادغال
في السوء ولفضا
ودخلنا غاية الأنياب
ليس بما يمليه غير الغاب نرضى
طالت الألسن في افواهنا
فحسبناها من القوة امضى
مجدنا عاهات لوشفت
لاقترضنا الحقد والعاهات قرضا
يصل بالفضول من الحرقة والألم لحال امتنا الى الحكم عليها بالموت فهو يحكم عليه بالموت من يوم أن مات فيها الرفض والتحدي والمواجهة.
نحن متنا يوم مات الرفض فينا
وسلمنا المهانات الرقابا
والتزمنا أدب
لانجد البصقة في اوجهنا منه العتابا
فلو ان الذل لم يأتي بنا من مذل لاغتصبناه اغتصابا
وسنحيا عندما تأتي الكرامات
تنفض عن نواصينا الترابا
هذه التأوهات والصرخات القومية في قصيدة «عرباً كنا» وركاب المجانين تجعلنا نجزم يقيناً ان الفضول كان يحمل هذا الهم دائماً في خطابه الشعري وتنبأه في اكثر من موقف.
