قالت صحيفة “الجارديان” الأربعاء إن الاتفاقات التاريخية القديمة التي أبرمتها القوى العظمى، وحددت شكل المنطقة، لا زالت تترك أثرها، حتى وإن نسيها الغرب.
وأشار محرر شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة إيان بلاك إلى أن أكثر الاتفاقات تأثيرا في المنطقة، اتفاق سايكس بيكو، ووعد بلفور.
ولفت بلاك إلى أن هذين الاتفاقين طبخا في أيام موت الإمبراطورية العثمانية، ومهدا الطريق لبلدان عربية جديدة، وإنشاء “إسرائيل”، وتهجير الفلسطينيين، وحتى إن غابت ذكراهما في الغرب، فهما مازالا حاضرتن ومسؤولين عن المشاكل والعنف غير المعتاد في المنطقة.
ونقل بلاك عن المؤرخ في جامعة أكسفورد، يوجين روجان، قوله إن “هذا تاريخ لن ينساه العرب لأنهم يرونه مرتبطا مباشرة بالمشاكل التي يواجهونها اليوم”.
وفي عام ٢٠١٤، عندما حطم مسلحو تنظيم الدولة الحدود بين العراق وسوريا، وأعلنوا الخلافة، كان ذلك بمثابة الموت الرمزي لسايكس بيكو، وسلطوا الضوء من جديد على صفقة شبه منسية وعائدة إلى الحقبة الاستعمارية، وركزوا عليها في حربهم الدعائية، بحسب بلاك.
وأوضحت “الجارديان” أن صفقة سايكس بيكو تمت بين السير البريطاني مارك سايكس، والدبلوماسي فرانسوا جورجيس بيكو، في أيار/ مايو ١٩١٦، وقسمت البلدان العثمانية بين بريطانيا وفرنسا، ولم تعلن إلا بعد أن تم نشرها من قبل البلاشفة.
كما تعارضت هذه الاتفاقية بشكل مباشر مع الوعود المبكرة من البريطانيين لشريف مكة الحسين بن علي، قبل أن يعلن ما أسماه لورانس العرب “ثورة في الصحراء” ضد الترك، لكنها لم ترسم حدود الدول العربية – التي أتت لاحقا – وكانت اختزالا مناسبا لحالة الغدر والوعود المزدوجة الغربية، بحسب الكاتب البريطاني.
كما لم يتم تقويضها بوعد بلفور في تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٧، الذي ظل مكانا لعزاء فلسطيني يتذكرون به كيف “أعطت حكومة جلالتها وعدا بتأسيس دولة قومية للشعب اليهودي”، عندما كانت الصهيونية استجابة مباشرة لمعاداة السامية الأوروبية، وكان اليهود أقلية صغيرة في فلسطين.
لاحقا، بحسب بلاك، سيفكر المسؤولون البريطانيون كيف يحددون هذه الأحداث، لأنها أصعب من تذكر الانتصارات العسكرية للبريطانيين، فبينما يمكن الاحتفاء بها، فإن هذه التحركات السياسية ستترك أثرا ساما للصراعات وعدم الاستقرار.
وأوضح بلاك أن التركيز على سايكس بيكو سببه هو أن الدول خسرت شرعيتها أو وجودها في أعوام الربيع العربي، فالكرد، الذين يتمتعون بحكم ذاتي منذ مطلع التسعينيات، يؤكدون على هذا، رغم أنهم الاستثناء، وكما يبدو أن سوريا تواجه تقسيما عمليا سببه خمسة سنوات من الصراع، لا بسبب ما يمكن أن يكون إنشاء استعماريا “صناعيا”.
ويصر كثير من المؤرخين – بعكس دعاية تنظيم الدولة – أن الدول القومية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى كانت لينة بشكل كبير، ومن الخطأ تصوير مسلحي التنظيم، كما يقول الخبير في الشأن العراقي ريدار فيسر أنهم “منفذو نوع من الوحدة العربية أو الإسلامية العميقة والشعبية التي قد توحد السوريين والعراقيين معا”.
ومع ذلك، فإن الواقع مختلف، إذ أوضح المؤرخ روجان أن “اتفاقات تقسيم الحرب تركت إرثا من الاستعمارية، وعدم ثقة عربية بالقوى السياسية العظمى، واعتقادا بالمؤامرات أن الشعوب العربية تحملت مسؤولية سوء حظها منذ ذلك الحين”.
وتظل فلسطين جرحا مفتوحا، فمنذ إعلان بلفور “شهدت المدة ما يصل إلى مئة عام ضد الشعب الفلسطيني”، بحسب المؤرخ الأمريكي الفلسطيني رشيد خالدي، دون أن تسعى القوى الغربية لحل حقيقي وعادل.
وأثبتت الأحداث مؤخرا مشاكل شبيهة بسابقتها، فسيكشف صيف عام ٢٠١٦ عن تقرير تشيلكوت حول دور بريطانيا باحتلال العراق في ٢٠٠٣، وسبب كثير من الفوضى التي تجري حاليا، فبحسب ما عبر توبي دودج، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن تقدم تنظيم الدولة مؤخرا “لم تكن بسبب الإرث القديم للاستعمار الأنجلو فرنسي، لكن بسبب الأخطاء الحديثة في النظام السياسي”، بعد رحيل نظام صدام حسين.
كما سيشهد عام ٢٠١٦ الذكرى الستين للاحتلال الفرنسي الإنجليزي لمصر، بالتعاون مع إسرائيل، والتي تعرف بـ “العدوان الثلاثي”، وتمثل حلقة أخرى كلاسيكية من النفاق والطغيان الغربي، بحسب بلاك.
وأوضح السفير البريطاني السابق إلى لبنان توم فليتشر أن “هذه الذكريات تدفعنا لمعرفة هذا التاريخ ومكاننا فيه، والتأكيد على دور الغرب ليس مستخدما كعذر وحسب لكل مشاكل المنطقة”، داعيا لدعم شيء من الأمان والعدل والفرصة في الشرق الأوسط.
*نقلا عن الإسلام اليوم قسم الترجمة- منير أحمد
