الرئيسية » «الزرانيق».. مَقْبَرتَانْ بـ «أديم» الحُرية!! ..

«الزرانيق».. مَقْبَرتَانْ بـ «أديم» الحُرية!! ..

08-29-15-5637110«حجة» أرادها الطُغاة سجناً، فجعلها الأحرار مُتنفساً لـ «الحرية»، من خلفِ أسوارها تسللت أفكـارهم، ومن تحت ثَراها أزهرت أماني من قضـوا نحبهم، جيء بهم مـن «كُـل اليمن»، فصاروا أخوة في التُراب والمَصيـر، «زرانيق» تهامة كـانوا الأكثر عـدداً وتضحية، وفي مقبرة ما زالت تَحْمل اسمهم، ترقد أروح «800» من أبطالهم بسـلام، وفي «حجة» كمـا في «تهامة» أذلـوا سجانيهم وقاتليهم، وعلمـونـا مَعنى أن يكـون المَرء سَيـد نَـفسـه. بعد حرب مُتقطعة أستمرت لـ «7» سنوات بينه وبين «الأدارسة»، تمكن الإمام يحيى من السيطرة على تهامة، باستثناء أراضي قبيلة «الزرانيق» المُمتدة من «الحديدة حتى زبيد»، نشوة النصر جعلت حشد من عساكره يقتـربون من تلك الأرض المحظورة، وكانت النتيجة قـتـلهم جميعاً وفي يوم عيد الأضحى «1926»، حينـذاك تَـذكـر «قائدهم» أن الأتـراك أنفسهم لم يستطيعوا إخضاع هذه القبيلة المُشاكسة؛ وكانوا يغضون الطرف عنها، ويصبغون على كبرائها بهدايا الصداقة، فكيف بجيش حافٍ مُنهك؛ وميزانية ضئيلة؛ عَقـد معهم الصُلح، وعَاد أدراجه هاربـاً من حرِّ وحربِ تهامة. وجـود الأئمة الزيود في تهامة مَثَلَّ شوكة في خاصرة «الزرانيق»، ولأنهم شرفاء الفوا الحُرية، أعزاء لا يرضون الـذُل، استعـدوا لمعركة التحرير جيـداً، وحين صاروا قادرين على المُواجهة، بعد أن بلغت قواتهم المُدربة حـوالي «10,000» مقاتل، ما يقارب «10%» من إجمالي سكان القبيلة آنذاك، أعلنوها ثـورة شاملة منتصف العـام «1928»، قـامـوا في البدء بعدة عمليات هجومية على الثكنات الإمامية القريبة، نهبوا عتاد عسكري ومؤن تكفيهم لمدة أطول، وقطعـوا خطوط المواصلات، أمـام هذا الإرباك المفاجئ لم يَجـد الإمام يحيى المشغول بتثبيت دعائم ملكه سوى ولده سيف الإسلام أحمد «رجل المهمات الصعبة»، لإخمـاد هذه الثـورة، وتأديب من أشعلـوا فتيلها. ما أن يُخضعـوا قبيلة إلا ويَـرمون بها أُخرى؛ ديدن الأئمة الزيود على مَـدى تـاريخهم، وحين استعصت عليهم «حاشد»، أوقعوا الفتنة بين قبائلها، ثم أنقضوا عليها، «سَلبَوا، ودَمرَوا، وقـَتَلوا، وهَجرْوا» وألزموا مواطنيها بـ «أحكام الشريعة وتوريث النساء»؛ حد وصف مؤرخيهم، مات بعض مشايخ حاشد في «سجن غمدان»، فاضطر الإمام يحيى أن يُفرج على من تبقى، مكتفياً بأخـذ أبنائهم كـ «رهائن»، ليأتي ابنه أحمد ويقود رعـايـاهم «المهزومين» صـوب تهـامـة، ضمن جيش عرمرم جهزه لكسر شـوكة «الزرانيق»، مُقسماً تلك القوات التي تجاوز عددها الـ «10,000» مقاتل إلى فـريقين، فريق تسلل من جبال ريمة، وأخر توغل من أطراق زبيد، على وقع هذا «الزامل»: «سادتي أنتم نجوم الأرض دايم من سعادتكم نزلنا التهايم نرضي الله والإمام» وبعـد معارك ضارية لم يجني القائد الجديد من أولئك «المَهزومين» سـوى الهزائم المتـتـاليـة. في حوار صحفي أجري معه ونُشر قبل وفاته، قال الإمام أحمد كلاماً كثيراً عن «الزرانيق»، الاسم الكابوس الذي ظل يورقه طول حياته، وقد وصفها بالقبيلة «العاتية» وأبطالها بـ «الخناذيذ»، وهم حسب حديثه خرجوا عن طاعة أبيه، وقطعوا الطرق، وانتهكوا الحقوق، وأخذوا الإتاوات، وأغاروا على مدن تهامة ومراكزها، لا يخافون سلطان، ولا يردعهم رادع. وأضاف: عاثوا، أفسدوا، وكثر تعديهم على المراكز الإمامية، واستشرت أطماعهم، واشتطت مطالبهم، واعتقدوا أن أي قوة لن تقوى عليهم، لذلك كان من الأنجح الفتك بهم، والقضاء على شرهم، قضاء حاسماً، خصوصاً بعد أن استهانوا بالوزير أولاً ـ يقصد عبدالله الوزير ـ وبالبدر ثانياً ـ يقصد أخاه الذي مات غرقاً ـ أثناء نيابتهما عن الإمام بالحديدة، فعلق الإمام يحيى بقوله: «ولا أدري من يرجى لأخذنا للثأر»، قلت: «أنا لها يا مولاي، أنا الذي بصارمك البتار أكفيك أمرها، وأفتك بها، كما فتكت بغيرها». ثم يمضي الإمام أحمد في ذلك الحوار الطويل، متحدثاً بزهو عن ماضيه الدموي، وخططه العسكرية، شارحاً تفاصيل المواجهات الأولى، ورغم اعتزازه بنفسه، أشاد ببطولة مقاومي «الزرانيق»، وفي ذلك يقول: والتقينا معهم وجهاً لوجه، ودارت أعنف المعارك حتى كادوا أن يستولوا على «المدفع السريع»، ولكننا صديناهم واسترجعناه من بين أيديهم بالسلاح الأبيض، وهذا كله صورته في إحدى قصائدي: ولما رأيت الجيش قد فل حده وقد رجع الأعقاب بعد التقدم ونادي باسمي المستجير من الردى لإدراكه والشر في الناس ينتمي وقد تركوا ذاك «السريع» بمهمة وحيداً عن الجيش الخميس العرمرم كررت بطرف يسبق الطرف عده جواداً كريم الأصل غير منعم فجادلت أعداء الإله بجمعهم وكانوا أحاطوا كالسوار بمعصم ودافعت عن ذاك «السريع» فحزته وقد كان للأعداء أكبر مغنم تهامة البسيطة المتواضعة أنجبت أبطال «الزرانيق» الأفذاذ، أحفاد «زرنق بن الوليد بن زكريا» وصولاً إلى «عك بن عدنان»، كانت قبيلتهم تسمى في الجاهلية «أزد شنوءة» ولم تعرف باسمها الخالد إلا في القرن السابع الهجري، ماضيهم مُشبع بروح المقاومة، وهم «أهل البلد» خَبـروا السهل وأجـادوا ترويضه، فيما «الغازي الغريب» القادم من أعالي الجبال، جاء بـ «انتفاشة كاذبة» يعتقد أن السهل سهلاً؛ وأن أهل السفح سواء، فكان صيداً ثمينا لعديد كمائن مُتقنة وناجحة، وحين حصر الضحايا أدرك «عَبيـد الفَيـد» أنهم اُقتيدوا إلى مَتـاهـة مُـوحشة، الخروج منها كما الدخول كلفهم الكثير، والأسـوأ أنها جعلت سمعة قائدهم المِقدام في الحضيض. لحظات عصيبة عاشها سيف الإسلام أحمد، وهـو الذي لم يُهزم في معركة قط، و«المُستبد» الذي لم يركن حتى لاستشارة أقرب مُعاونيه، وبعد أخـذ ورد بينه وبين نفسه، لم يَجـد سوى البحر كـ «خيار» مُكلف ومُنقذ لـ «غروره»، فمن هناك يأتي الدعم «الإنجليزي» كما يعتقد، وإلى هناك تسلل بقواته، وأحتل ميناء «غليفقة» العتيق، الذي أهمل «الزرانيق» تحصينه، وصادر جميع سفنهم ومراكب صيدهم، ورغم أن جميع الجهات صارت تحت تصرفه، إلا أنه مُني بهزائم مُتلاحقة، ومن الجهات الأربع؛ وخسر الكثير من المعدات؛ وصارت أحراش تهامة مَقبرة لـ «غروره» ولأجساد عساكره. في كِتابه «كيف غنت تهامة» يجزم المؤرخ عبد الرحمن طيب بعكر أن دعم «الإنجليز» لـ «الزرانيق» لا يستنقص من أبطالها ولا يعني أنهم عملاء، معتبراً تمسح «الإنجليز» بذلك للضغط على الإمام يحيى حينها كي يتخلى عن «الضالع، والشعيب، وجبل جحاف» في الجنوب، وغير بعيد قال «تشرشل»: « لا يضرنا الاستعانة ولو بالشيطان»، والغريق في النهاية لا يهمه جنسية من ينقذه. مَضى عام دون أن يحقق سيف الاسلام أحمد أي انتصار، وهو «المُتكبر» العنيد لم يستسلم لليأس، أطلق صيحته الشهيرة «الجاح» ـ اسم وادٍ هناك ـ مستنجدا بأمير تعز آنذاك علي الوزير، وخاطبه: «يا جمال الدين هل من غارة»، وهي قصيدة «أحمدية» طويلة شبهَ بها مقاتلي «الزرانيق» بـ «الجن» لكثرة فتكهم بعساكره. صاح أن «الجاح» أضنى فؤادي وأبكي جفني بألوان السهاد صاح أن «الجاح» مصدق الفعالِ يعرف الأشوس منا في القتال تعلم الأيام من أشجعنا وترى الأمضى سرى تلك الليالي كلما أعملت في القوم الردى طلعوا كـ «الجن» من بين الرمالِ أعيته الحيلة، فقرر سيف الاسلام أحمد أن يستشير معاونيه، ليبرز هنا مُقدم في الجيش اسمه «يحيى إسماعيل الردمي»، وضع خطة عسكرية مُتكاملة، وتعهد بتحقيـق النصر في غضون أيام، إذا سلمت له دَفـة القيـادة؛ وافـق «القائد» على مضض، وأكتفى بمراقبة سير المعارك كـ «قائد أعلى» بلا قيادة. تحقق النصر على يد «الردمي»، وفي «أكتوبر1929» سقطت تحصينات مدينة «بيت الفقيه» حاضرة «الزرانيق» الـزاهيـة، حيث الولي «ابن العجيل» بخل بـ «ام كرامه»؛ هدموا قبته؛ ثم أطلق لعساكر الإمام المتوحشة حرية «القتل والتدمير والنهب والحرق» ولمدة أسبـوع كامل، بعد ذلك خضعت قبيلة «الزرانيق» بقسميها «الشامي واليماني» لحكم الأئمة الزيـود، وما كان لها أن تخضع، لولا الحصار المُطبق الذي استمر لشهور، والتكتيكات العسكرية التي فاجأهم بها «الردمي» قـائـد تلك الهزِيمة. أسماء كثيرة لقادة عظام لمعت في تلك «الملحمة»، بعد أن قادوها بـ «بسالة»، ولعل أبرزهم الشيخ «الزرنوقي» أحمد فتيني جنيد، الذي روي عنه أنه كان يمضغ القات قبل إحدى المعارك، وبدلاً من أن يتحرك للمواجهة طلب من المرافق التابع له أن يُعمر «نارجيلة التنمباك» المنصوبة بدلاً عن المدفع، قائلاً: «عمر وطنبش»، وقد انسحب في الأخير بأهله وبعض قومه إلى العربية السعودية وتوفى هناك، وكذا موقف الشهيد شلاع جروب، الذي تم أسره ووضعه على فوهة إحدى المدافع، فركل المدفع بقدمه، وقال مخاطباً السيف أحمد: «مدفع.. مدفع الراحتين ودينا»؛ وكانت نهايته في «حجة»، وأيضاً عاقل عزلة «التينم» غرب «بيت الفقيه»، عندما أرسل السيف أحمد إليه مندوباً ينصحه بالاستسلام، كان جوابه: «إذا كان الله ملك أحمد أرضنا فلن نملكه أرواحنا وفينا عرق ينبض». طبائع «المُستبد» لا ترحم من يَـتـعـدى على «خصوصياتها»، و«الردمي» المسكين لم يُـدرك ذلك؛ أعتقد أنه «تَجمَلْ» عند سيده، فإذا به يدخل بوابه الجحود والنكران من أوسع أبـوابـه؛ و«القائد الأعلى» أبى إلا أن يدخل بوابة التاريخ وحيداً منفرداً، وتلقب بـ «السيف أحمد» الذي لا يُـقـهـر، فيما «جزاء سنمار» كان نصيب منافسه المُخدوع؛ الذي تجسدت «مكافأة نهاية خدمته» باتهامه بمعاقرة الخَمر؛ جيء به وجراحه لم تكـد تندمل، وطلي جسده بالزيت والقطران المَغلي، وربط فـوق إحدى المدافع، وقناني الخمر الفارغة تتدلى من فوق عُنقه؛ ولإكمال فصول المسرحية تم جلده مئة جلدة أمام جماهير الحديدة الغفيرة، ثم تُرك مَصلـوبـاً لأيـام تحت هجير أشعة الشمس الحارقـة. سادية متوحشة أفرزتها عُقـدة انتقامية لـ «طاغية مُستبد»، ماضيه أسـود حتى في قتل أقرب الناس إليه، فكيف بـ «غريب ساذج» أتى ينافسه لـذة القيادة وزهـو الانتصـار، وبالمقابـل كانت إفرازات تلك العُقـدة مُقززة وأكثر نتـانـة ضد أولئك الذين جابهوا الطغيان وأذلـوا كبريـائـه، وكان نصيب أبناء قبيلة «الزرانيق» الأحـرار من ذلك ما يفـوق حد الوصف، ولكي يضمن «الطاغية» عدم تَمَـردهم على «حقه الإلهي» مـرةً أخـرى، أدخل حوالي «800» من مقاتليهم الأشـداء مَذلة الأسر، وجحيم سُجون «حجة» المُظلمة، التي لا تُطـاق. «حجة» سجنُ وسجـان وعـذاب مُقيـم، «شاري البَـرق من تهامة» ما زال يولد الحنين لـ «الحرية»، «وطائر أم غرب ذي وجهت سنا ام تهايم» مرسال شوق لا يُصغي لـ «الأنيين»؛ في لحظة صمت كئيبة يتذكر هؤلاء الأبطال كيف جيء بهم إلى هذا المنفى المُوحش، في رحلة استمرت أسبوعاً كاملاً، تحت هجير حرَّ الظهيرة، وبرد الشتاء القارس، الذي لم يرحم صدورهم العارية، فيما «المَغالق» تكبل أيديهم وتجعل سيـرهم ثقيلاً فوق أرض وعرة، وجبال خشنة لم يـألفوهـا، وفـوق رقابهم تتلوي حِبـالٌ غليظـة، ترفع من حشرجات صدورهم، وتكاد تقطع أنفاسهم، ولا أروع من تشبيه الشاعر «الفضول» للمشهد الذي كرره «الطاغية» أحمد كثيراً في فصول تاريخه الأسود: سيروا فما الأغلال في أعناقكم إلا لمجدكم العظيم شعارا سيروا ويكفيكم فخارا أنكم في وجه «طاغية» الورى ثوارا كانت الرحلة طـويـلـة وشـاقـة، وكان سجن «نافع» ضاراً وأكثـر وحشة وقسوة، لم تحنوا «حجة» على أبطال «الزرانيق» قَـط، كـ «أوراق الخريف» تَساقطـوا الـواحد تلو الآخر، وقيل نجا من ذلك الموت المُحقق «13» شخصاً، وقيل لم ينجوا أحد؛ وخلاصة المأساة: لم يجد هؤلاء الأبطال سوى أديم «حجة» المتماسك كي يدفنوا به أوجاعهم وإلى الأبد، بعد أن ذهبوا شامخين، وتركوا لـ «عُشاق الحرية» قصص بطولية نادرة، حق أن تُحفظ وتـدون بماء الذهب، والتاريخ الحقيقي لا يكتبه المنتصرون بـ «السيف والطغيان»، بل يدونه المنتصرين لـ «الكرامة والإنسان».

تصفح ايضاً

يونيسيف: حرب اليمن قتلت 365 طفلا

ادارة النشر

يونيسف”: أكثر من 1600 مدرسة أغلقت في اليمن بسبب انعدام الأمن

Mohammad Amin

يونيسف: تدعو لوقف الحرب وتقول ان 10 ملايين طفل يحتاجون لمساعدات عاجلة

محمد الحذيفي

يونيسف: أكثر من مليون ونصف طفل يمني يعانون من سوء التغذية

محمد الحذيفي

يوم دامي في صفوف الحوثيين بالحديدة لدى تصعيد المقاومة الشعبية مهاجمتها اهداف للحوثيين

ادارة النشر

يوم اسود على المليشيات في الجبهة الشرقية بتعز وهذا السبب

Mohammad Amin