الرئيسية » فقدنا القدرة على التمسك بما نؤمن به

فقدنا القدرة على التمسك بما نؤمن به

10155788_739156079472905_8860503835521566392_nخرجت بصحبة أخي الصغير الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره بعد لشراء بعض احتياجات بيتنا الذي نزحنا إليه ليشكل لنا المحطة الثالثة من محطات النزوح.

بعد أكثر من عشرة أشهر من  الحرب بدأت الشوارع مزدحمة  بالمارة والباعة المتجولين ووجوه الكثير من النازحين تجوب السوق الذي يبدو صغيراً

كانت الأسعار مرتفعة والباعة لا يأبهون لأحد فهم المستحوذون  على المكان هنا يجوب المشتري السوق طولاً وعرضا ثم لا يجد بداً من العوده للشراء بنفس السعر الذي رفضه مسبقاً فلا بدائل متاحة أخرى .

تسلل الى ذاكرتي وانا أتصفح المكان حديث دار بيني وبين احدى صديقاتي حول انهيار القيم أبان الحروب وتذكرت كلماتها وهي تشرح لي تفاصيل كتاب قرأته حول نتائج الحرب على المجتمعات وكيف تؤدي الى انهيار القيم وانحطاط تعاملات الناس مع بعضهم البعض  وحتى ظهور اختلالات أخلاقية في بنية المجتمع بسبب الفقر والحاجة والعوز وغياب  الدولة  .

قطع  تدافع الأفكار في رأسي أخي الصغير وهو يرتب على يدي قائلاً 🙁 أنا عطشان  !).

أمسكت بيده وذهبت الى أقرب بقالة  واشتريت علبتا عصير شربناها ثم وضعناها في كيس بلاستيكي وأعطيته لأخي الصغير وطلبت منه  أن يرمي به في أقرب برميل قمامة وكنت منذ صغره دائما ما أطلب منه أن  يرمي القمامة كلما خرجنا معاً وأشرح له أهمية النظافة وأردد على مسامعه   (أن النظافة من الإيمان ).

ظل أخي ممسكا بذلك الكيس البلاستيكي لأكثر من ساعة ونحن نتسوق  وهو يبحث عن برميل للقمامة دون جدوى!!

وفي طريقنا للعودة الى البيت مررنا بأكوام من القمامة مكدسة على جانبي الطريق و وسطها وأخي ينظر الي وانا اقول له : (الشارع مش نظيف لكن يجب ان لا نشارك في زيادة قاذوراته  !!)

حاولنا البحث عبثاً عن برميل للقمامة  حتى وصلنا البيت ووضعنا ذلك الكيس في  سلة القمامة الخاصة ببيتنا  .

شعرت حينها بالارتباك والأسف كيف لنا ان نزرع في قلوب الصغار   قيمة (الحفاظ على النظافة ) ولا مظهر يدل عليها اطلاقاً .

قال لي أخي عندما وصلنا البيت 🙁 مرة ثاني شاكون أرمي  بأي حاجة بالأرض  ثم أضاف أصلاً الشارع كله مش نظيف ونحنا لو خرجنا القمامة  نرمي بها هناك بين الأكياس الي بطرف الشارع !!)

سكت قليلاً ثم التفت إلي يوضح  (أصلا انا قدنا أقولك ماعدفيش مكان للقمامة الشارع كله قمامة !!.).

انها الحرب نيرانها تلتهم الأرواح والأجساد وتدك أعمدة الوطن ليتهاوى وتتهاوى معه كل القيم والمبادئ بشكل مباشر أوغير مباشر وبإرادتنا أو رغما عنا .

تشل كل معاول البناء والتنمية  وتضعفها  لتتفشى بالمقابل العواصف الهدامة والأيادي العابثة.

وكنت أظن  أن الإنهيار القيمي والأخلاقي سيطال قيم التعايش والتسامح والعيش المشترك ومبادئ حقوق الانسان فحسب لتتشظى وتتشظى   معها الروابط الاجتماعية والنسيج المجتمعي .

لكني أصبحت  أدرك تماماً ان الحرب ستجرف معها كل القيم الاجتماعية والإنسانية  وحتى الدينية ولن تترك شيء فينا ومن حولنا الا ومسته بلظى نيرانها .

وكلما زادت مدتها فقدنا القدرة على التمسك بما نؤمن به من قيم ومبادئ متكيفين مع واقع مزري وقبيح أو خاضعين لمعادلاته وموازينه فتتناقض سلوكياتنا مع قيمنا في أحسن الأحوال أو لنصل الى مرحلة نسلم فيها ان كل القيم والمبادئ صارت حلماً أو ترفاً في مجتمع فرضت الحرب فيه واقعاً مختلفاً و لا يعلم الا الله الى متى سيصمد المعلمون والمربون والنشطاء وقادة الفكر على بناء القيم والحفاظ عليها وترميم  ماتصدع منها مقابل كل وسائل الهدم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليصبح اكساب أطفالنا قيمة متفق عليها  كقيمة ( النظافة) أمراً ترفياً مقابل الحقاظ على الحياة أو الحصول على لقمة  العيش وعبثياً أمام اختلا ل وظائف الدولة ومسؤلياتها  فما بالكم  ببقية القيم والمبادئ التي لازالت في  مجتمعنا تشكل جدلاً وموضوعاً يطرح للنقاش

تصفح ايضاً

يمنا واحد مهما علاء صوت المرجفين وارتفع

ادارة النشر

يتحاربون ونحن نعزف في الظل

Mohammad Amin

يبثُّ سُمّه حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة!

ادارة النشر

يامـُـــدَّعي حُــــــبَّ الوطن

ادارة النشر

ياالله مالنا غيرك يا الله

Mohammad Amin

يا له من كابوس

مروان الغفوري