_ خليل قنديل
شكل إعلان روسيا سحب معظم قواتها من سوريا نقطة تحول هامة في مسار الأحداث، بعد 6 أشهر من التدخل العسكري الروسي المباشر هناك والذي ساهم في ترجيح موازين القوى لصالح قوات النظام السوري، ما يبقي احتمالات العودة قائمة في حال أي تطورات عسكرية لغير صالح قوات النظام وفشل العملية السياسية.
ويرى محللون أن إعلان انسحاب روسيا جاء في ظل إدراكها لصعوبة الحسم العسكري والتخوف من التورط أكثر في المستنقع السوري، وارتفاع الكلفة الاقتصادية لتدخلها وسعيها لعقد تسويات فيما يتعلق بأزمة النفط والتفرغ للتطورات في الملف الأوكراني، إضافة إلى خلافها مع النظام السوري وإيران حول الالتزام بخطة المفاوضات، مما دفعها لرفع الغطاء العسكري عن الأسد لدفعه لتقديم تنازلات والخضوع للتفاهمات الروسية الأمريكية حول سوريا.
وتشير عدد من التقارير إلى عدم سحب روسيا سوى جزء يسير من قواتها الجوية في سوريا، ما يثير الشكوك حول جدية القرار الروسي، ويرجح سعيه لإحداث تأثير سياسي أكثر من كونه قراراً فعلياً على الأرض، حيث تسعى روسيا للحفاظ على ميزان القوى على الأرض الذي صنعته لصالح قوات النظام، ودفع مختلف الأطراف لتقديم تنازلات في مفاوضات الحل السياسي المفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها فكرة الفدرالية في سوريا.
وأشار محللون إلى خشية روسيا من التورط أكثر في المستنقع السوري بعد 6 أشهر على تدخلها هناك، وإدراكها لجدية التحركات السعودية التركية للتدخل برياً في سوريا، والخشية مما يوصف بالخطة “ب” في حال فشل الهدنة، واحتمالات تسليح المعارضة بأسلحة نوعية قد تستهدف الطائرات الروسية، مشيرين إلى ما تردد خلال اليومين الأخيرين قبل الانسحاب ومفاده إسقاط مقاتلة حربية سورية بصاروخ محمول على الكتف.
الحمد : إنهاك أطراف الصراع يمهد لاتفاق على سيناريو يحفظ لروسيا وأمريكا مصالحهما
رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط جواد الحمد اعتبر أن سحب القوات الروسية يأتي في ظل إشارات بالتنسيق مع أمريكا لإعطاء الفرصة للحل السياسي في سوريا، بدلاً من التورط أكثر في المستنقع السوري بعد إنهاك كل من المعارضة والنظام ودفعهما للاتفاق على سيناريو معين يكون فيه لكل من روسيا وأمريكا بصمات أساسية فيه وعلى رأسها أمن إسرائيل.
وأشار الحمد في حديث لـ”الإسلام اليوم” إلى أن القرار الروسي بالانسحاب العسكري جزئياً يرفع الغطاء العسكري عن النظام السوري ويضعف شروطه التي أعلنها قبيل المفاوضات، مما يدفع النظام وإيران للجلوس على طاولة المفاوضات بإيجابية، لا سيما في ظل إدراك روسيا أنه ليس هناك حل سوى الحل السياسي لوقف حالة الاستنزاف .
ولفت الحمد إلى عدة عوامل ساهمت في اتخاذ قرار الانسحاب، مشيراً إلى أن روسيا كانت تعاني من مشاكل كبيرة ومخاطر في تدخلها في سوريا منها الكلفة الاقتصادية الباهظة لتدخلها العسكري، ووجود ميليشيات كثيرة على الأرض، ما تسبب بمشاكل في إدارة تنسيق العمليات مع القوات السورية ووقوع خلافات كثيرة ميدانية وصلت إلى حد قصف روسيا مواقع لعدد من هذه الميليشيات، حيث كانت المطالبات الروسية بأن تكون التحركات العسكرية على الأرض من خلال قوات النظام التي ظلت عاجزة عن تحقيق ذلك، مما دفع روسيا لانتظار اللحظة المناسبة للانسحاب.
وأكد الحمد أنه من المبكر الحكم على حجم الانسحاب وآثاره العسكرية، في ظل الحديث عن استمرار التواجد العسكري الروسي في قواعدها في حميميم وطرطوس وإمكانية استدعاء القوات الروسية الجوية في أي وقت، حيث يتم حالياً التركيز على آثاره السياسية، معتبراً أن قرار الانسحاب سيكون له أثره البالغ على كثير من المعطيات العسكرية والسياسية بانتظار كشف مزيد من تفاصيل هذا القرار .
كما استبعد أن تلجأ إيران للخروج عما وصفه بقواعد اللعبة وعدم الالتزام بالمسار السياسي، والسعي لاستغلال القرار الروسي، معتبراً أن إيران تدرك حجم خسارتها إقليماً ودوليا نتيجة سياساتها في المنطقة.
وتزامن الإعلان عن سحب القوات الروسية مع بدء جولة جديدة من مفاوضات جنيف، وبروز تصريحات لوزير الخارجية السوري وليد المعلم برفض أي نقاش حول مستقبل بشار الأسد أو الحديث عن مرحلة حكم انتقالي، ما أثار سخط الولايات المتحدة وروسيا من عدم التزام سوريا بالتفاهمات الدولية الساعية للحل السياسي.
أبو نوار : الانسحاب الروسي هروب من المستنقع السوري عبر المراوغة السياسية
المحل العسكري اللواء المتقاعد مأمون أبو نوار يرى أن قرار روسيا يأتي في ظل إدراكها بأن تدخلها العسكري وصل إلى ذروته، وأنه لا رابح من الحل العسكري في سوريا، وخشية من التورط أكثر في المستنقع السوري، خاصة بعد تيقنها من جدية المساعي السعودية والتركية للتدخل برياً في سوريا، مما دفع روسيا لاختيار هذا التوقيت واستثماره سياسياً عبر الظهور بمظهر الحرص على الحل السياسي.
واعتبر أبو نوار في حديث لـ”الإسلام اليوم” أن الانسحاب الروسي سيكون جزئياً بحيث ستستمر العلاقات العسكرية الروسية السورية، مع استمرار عمليات القصف في بعض المناطق، وترك الباب مفتوحاً لعودة القوات الجوية الروسية في حال تغير موازين القوى على الأرض لصالح المعارضة.
ويرى أبو نوار أن التدخل الروسي أعاد الوضع ميدانياً إلى ما كان عليه عام 2014 من مرحلة التوازن العسكري بين قوات المعارضة وقوات النظام، مع تحقيق تقدم عسكري للنظام بعد أن كان على وشك الانهيار، مما يدفع باتجاه العملية السياسية وتجميد الحديث عن تدخل عسكري بري في سوريا والتزام مختلف الأطراف بالهدنة الهشة هناك، وصولاً إلى احد الحلول السياسية وعلى رأسها فكرة الفدرالية، مع ضمان الحفاظ على مصالح روسيا.
وحول تداعيات القرار الروسي على الأردن، يرى أبو نوار أن الأردن لن يسمح بالإخلال بموازين القوى الموجودة حاليا في منطقة جنوب سوريا، مشيراً إلى السياسية الأردنية المتمثلة بإبقاء الفوضى بعيدة عن حدوده، خاصة وان الانسحاب الروسي يخدم إيران بشكل غير مباشر لتوسيع نفوذها بعد مرحلة من صراع النفوذ بينها وبين الروس في سوريا.
*المصدر الاسلام اليوم

